تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفصل الرابع

" الحساب بين القران والسنة "

- لقد أنهينا في الفصل السابق الحلقة الثانية وهي البعث وقضية النشور وعلمناها بين الآيات القرآنية والسنة النبوية ونحن هنا أمام الحلقة الثالثة من العقد المسمى بالحياة الآخرة الا وهي قضية الحساب ومشهد الحساب والمساءلة والذي يبدأ منذ انشقاق السماء – وأخذ الملائكة أماكنهم المحددة بأرجائها – وعرش الرحمن محمول فوق ثماني ملائكة لقولة تعالى في سورة الحاقة " فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ , وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً , فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ , وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ , وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ , يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ" (1) هنا بدأ إذن مشهد الحساب والذي يقضي فيه أول ما يقضى في النبيين والشهداء لقوله تعالى في سورة الزمر " وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ " (2) ثم ننظر هنا فنجد الملائكة والروح – وهو جبريل – يقفون جميعا صفا واحد في موقف عصيب ومهيب لا يتكلم أحد قط إلا من إذن له الرحمن لقوله تعالى " يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً" (3) وكل ما هم فاعليه هو التسبيح والاستغفار لأجل من أمنوا لقوله تعالى في سورة غافر " الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ " (4) ثم يأتي الأمر الإلهي بأن كل نبي يقف شهيدا على أمته ومحمد (- صلى الله عليه وسلم -) شهيدا على أمته لقوله تعالى في سورة النحل " وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاء " (5) ولكن ما حال العباد؟! إنهم في سكرة وروع وانشغال كل بحاله وبأمره لقوله تعالى في سورة عبس " فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ , يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ , وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ , وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ , لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ " (6) وأيضا قوله تعالى في سورة الحج " يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ " (7) نعم الموقف عصيب. فالمرء يتمنى لو يفتدي بماله وولده وأمه وأبيه ولكن هيهات .. هيهات. كل نفس بصيرة ما فعلت وما قدمت ولن ينفعها الحجج والأعذار لقوله تعالى في سورة القيامة " بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ , وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ " (8) " وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ" (9) ثم يأتي دور استلام المرء لكتابه فليحاسب نفسه إذا وهذا هو مدى العدل الإلهي إذ يجعل الفرد ساعتها حكما على نفسه فعمله باديا أمامه إن كان خيرا وإن كان شرا لقوله تعالى في سورة الإسراء " اقْرَا كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً " (10) وهنا يصيب المرء العجب والدهشة فالكتاب الذي تسلمه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها لقوله تعالى في سورة (ق) " مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ " (11) فيقول المرء في عجب " وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا " (12) الكهف .. هنا تجيبه الملائكة في أسلوب استفهامي يدل على التعجب (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) (13) العلق فكل عملك مدون أمامك لقوله تعالى في

(1) الحاقة آية (13 - 18)

(2) الزمر آية 69

(3) النبأ آية 38

(4) سورة غافر آية 7

(5) النحل آية 89.

(6) سورة عبس آية (33 - 37)

(7) الحج آية 2

(8) سورة القيامة 15:14

(9) سورة ق آية 21

(10) سورة الإسراء آية 14

(11) سورة ق آية 18

(12) سورة الكهف آية 49

(13) سورة العلق آية 14

العودة نحو الساعة · الصفحة ٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العودة نحو الساعةص ٥٨