تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سادسا: للقبر ظلمة وعتمة وله ضمة تختلف فيها أضلاعك لم ينجوا منها أحد ليس فيها بصيص من نور ولا شعاع من ضياء وفيه شجاع أقرع ومطارق من جهنم فماذا أنت فاعل في هذا المكان الموحش.

سابعا: تخرج من قبرك يوم الفزع الأكبر عاري الجسد كما خلقت أول مرة فردا كما خلقت أول مرة. الناس مذهولين من هول الموقف كل يقول نفسي. نفسي فالأمر جد لا هزل. والناس مشغولون عن النظر لعوراتهم فشمس على رؤوسهم وأرض فسيحة محشورين فيها ونار تزفر لهم من حنق وغيظ على كل عاص وفاجر. وجنة تتقرب للمؤمنين منهم أزلفت إليهم بما فيها من نعيم وفاكهة عظيمة لا مقطوعة ولا ممنوعة وأنهار من عسل مصفى وخمر لذة للشاربين .. فأيها تختار

ثامنا: تذكر قوله (- صلى الله عليه وسلم -) (القابض على دينه كالقابض على الجمر) (1) فتحمل في سبيل دينك وعقيدتك واصطبر عليه ولا تستثقل الطاعات بما استطعت من قربات كما تذكر أنه قد حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات لما ورد عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لما خلق الله الجنة قال لجبريل اذهب فأنظر إليها فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها ثم حفها بالمكاره ثم قال يا جبريل اذهب فانظر إليها ثم جاء فقال أي رب وعزتك لقد خشيت الا يدخلها أحد قال فلما خلق الله النار قال يا جبريل اذهب فانظر إليها فنظر إليها ثم جاء فقال أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها فحفها بالشهوات ثم قال يا جبريل اذهب فانظر ثم جاء فقال أي رب وعزتك لقد خشيت ألا يبقى أحدا إلا دخلها" (2) إذا عليك أن تتقرب إلى الجنة مهما صادفت في الطريق إليها من أهوال وابتعد عن النار مهما تزينت إليك طرقها.

تاسعا: تذكر وقوفك بين يدي الله سبحانه وتعالى وهو القوي المتين الجبار المتكبر المتعال العظيم وأنت العبد الذليل الحقير فلا عز يومئذ بغير ما قدمت من طاعة ولا جنة بغير ما قدمت من اجتهاد كما تذكر إذا ما أمر الله بك ملائكته أن يسوقوك إلى النار أو أن يفتحوا لك أبواب جنته وتذكر الفريقين فريق الهدى وفريق الضلال فأيهما تختار؟ وتذكر الصراط وكيفيته فهو أحد من السيف وأدق من الشعرة وما على جانبيه من كلاليب وخطاطيف تأخذ بمن يمر عليها عند منزلته من النار ولن ينجوا إلا من كان قوي الصلة بالله أفلا يجدر بك أن تكون من الناجين.

عاشرا: لا تياس من رحمة الله مهما بلغت ذنوبك فباب التوبة مفتوح وباب العودة إلى رحابه غير مغلق وضع نصب عينيك قوله تعالى " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " (3) وقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه عن رب العزة سبحانه وتعالى في الحديث القدسي الجليل " يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة " (4) إذا مادام الرحمن بابه مفتوح للتائبين فهلم معي في طريق عودة إلى رحابه نسأله التوبة والمسامحة والنجاة من النار.

- وفي نهاية بحثي أجعل لله ما قدمت فإن كان خيرا فمن الله وإن كان غير هذا فمن نفسي ولله ما قدمت واحسبني ما أتممت فبحثي لا شك قاصر وناقص والكمال لله وحده فالموضوع سيظل مفتوحا للدراسة والتدبر والعظة ما دامت الحياة قائمة لم تنقض وما دام الموت والفناء قادمين لا محالة .. ولرحمة الله أرجو فهو وليي ونعم النصير.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار

(1) رواه البخاري ومسلم

(2) حديث حسن أورده أبو داوود في سننه والترمذي في سننه والنسائي في سننه والحاكم في مستدركه وأحمد بمسنده

(3) الزمر آية 53

(4) رواه الترمذي عن طريق أنس ابن مالك وقال حديث حسن صحيح

العودة نحو الساعة · الصفحة ١٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العودة نحو الساعةص ١٤٣