** الحكماء والسلف .. والدنيا **
- فالدنيا هكذا قيمتها والآخرة هكذا قيمتها وقد فطن الكثير لقيمة كل منهما فقد قال الحسن بن علي " والله قد أدركت أقواما كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي تمشون عليه ما يبالون أشرقت الدنيا أم غربت ذهبت إلى ذا أو ذهبت إلى ذا " وقال رجل للحسن ماذا تقول في رجل أتاه الله مالا فهو يتصدق منه ويصل منه أيحسن أن يتعيش منه أي يغتنم؟ فقال: لا لو كانت له الدنيا كلها ما كان له منها إلا الكفاف ويقدم ذلك ليوم فقره".
وروي أن سليمان بن داوود عليهما السلام مر في موكبه والطير تظله والجن والإنس عن يمينه وعن شماله فمر بعابد من بني إسرائيل فقال والله يا بن داوود لقد أعطاك الله ملكا عظيما فقال سليمان: لتسبيحة في صحيفة مؤمن خير مما أعطي ابن داوود فإن ما أعطي ابن داوود يذهب والتسبيحة تبقى (1) وقال عيسى عليه السلام: لا يستقيم حب الدنيا والآخرة في قلب مؤمن كما لا يستقيم الماء والنار في إناء واحد. ومن وصايا المسيح أيضا أنه قال لأصحابه " من ذا الذي يبني على موج البحر دار تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارا " وأيضا قال لهم أعبروا ولا تعمروها " وقال بعض الحكماء: " كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره وشهره يهدم سنته وسنته تهدم عمره كيف يفرح من يقوده عمره ألي أجله وتقوده حياته إلى موته " وقال الشاعر أبا العتاهية:
وما أدري وإن أملت عمرا ... لعلي حين أصبح لست أمسي
ألم ترى أن كل صباح يوم ... وعمرك فيه أقصر منه أمسي
وكل ما على الدنيا زائل لا محالة لقوله تعالى " إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً , وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً
(1) مكاشفة القلوب للإمام الغزالي