حارث عرفت فألزم قالها ثلاثا (1) معنى هذا أنه (- صلى الله عليه وسلم -) قد أوصانا بالزهد في الدنيا وعدم الابتعاد عن منهاج الله وأمره وكل ما من شأنه أن يقرب إلى رحمة الله وكرمه وعدم الارتكان إلى زخرفها وزينتها فما هي إلا أمور خادعة وما هي إلا طيف سراب فيقول (- صلى الله عليه وسلم -) عن الدنيا عندما مر بشاة ميتة قد ألقاها أهلها فقال والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه الشاة على أهلها (2) كما قال (- صلى الله عليه وسلم -): " لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء " (3)
- وأيضا قال (- صلى الله عليه وسلم -) فيما رواه ابو هريرة: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما او متعلما) (4). أيضا قال أبو بكر" رأيته (- صلى الله عليه وسلم -) يدفع عن نفسه شيئا ولم أر معه أحداً فقلت يا رسول الله ما الذي تدفع عن نفسك قال هذه الدنيا مثلت ليّ فقلت لها: إليك عني ثم رجعت فقالت إنك إن أفلت مني لم يفلت مني من بعدك" (5) والعقل ذاته يقول إذا كانت الدنيا هي الأولى من الآخرة بالعمل والتمتع لكان (- صلى الله عليه وسلم -) أول من تمتع بها. فكانت الدنيا كلها أمامه ود منها ما ود أو شاء منها ما شاء لكنه لم يستجب لخداعها فلم يبحث عن غني رغم أن الغنى آتيه إذا ما هو أشار ولم يبحث عن سلطان ولا جاه فكان مثله مثل صحابته حاله كحالهم فأمرهم " ألا يسيدوه في الصلاة " وكان يشاركهم في أي عمل يقومون به مهما قل قدره. فما هو بالمتكبر وما هو بالسلطان بل كان صاحب رسالة من السماء مكتوب على غلافها " وما الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون"
وبصرنا (- صلى الله عليه وسلم -) بأمر الدنيا فقال" مثل ابن آدم وماله وأهله وعمله كرجل له ثلاث أصحاب فقال أحدهم أنا معك حياتك فإذا مت فلست منك ولست مني فهو ماله وقال الآخر أنا معك فإذا بلغت تلك الشجرة فلست منك ولست مني وقال الآخر أنا معك حيا وميتا (6) كما قال (- صلى الله عليه وسلم -) "الهاكم التكاثر .. يقول ابن أدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت (7) كما قال (- صلى الله عليه وسلم -) " الدنيا دار من لا دار له ولها يجمع من لا عقل له (8) كما قال (- صلى الله عليه وسلم -) من أصبح وهمه الدنيا فليس منا (9) كما قال (- صلى الله عليه وسلم -) " الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك (10)
- إذن ما دامت الدنيا هكذا أمرها غير ثابت .. فكل شيء فيها متغير فعلينا إذن ألا نود العز إلا في طاعة الله وألا نخاف الذل إلا من البعد عن منهاجه ونقرأ ونتدبر قوله تعالى "قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (آل عمران 26)
- وقد ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: نام رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) على حصير فقام وقد أثر في جنبه قلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء فقال: مالي والدنيا .. ما أنا في الدنيا إلا كراكب إستظل تحت شجرة ثم راح وتركها (11)
- ولقد سئل نبي الله نوح وقد عاش ما عاش .. صف لنا الدنيا أجاب" الدنيا كبيت له بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر (12) ومن ثم فعلينا ألا نعمل في الدنيا إلا ما هو لازم لحياتنا ومعاشنا وألا تشغلنا الدنيا عن العمل للآخرة. فلا أموال ولا أولاد بنافع المرء فلا نافع سوى عمله الصالح لقوله تعالى"وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ , الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ , يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ , كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ , وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ , نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ " (الهمزة 1: 5) فلن
(1) أخرجه الحافظ الطبراني عن الحارث بن مالك الأنصاري (ورد بتفسير بن كثير في سورة الأنفال آية رقم 4
(2) رواه أحمد بإسناد لا بأس به (الترغيب والترهيب جـ4 ص 101)
(3) رواه الترمذي – رياض الصالحين عن سهل بن سعد الساعدي
(4) رواه ابن ماجه والبيهقي والترمذي وقال حديث حسن
(5) مكاشفة القلوب للإمام الغزالي
(6) رواه البزار ورواته رواه الصحيح (الترغيب والترهيب جـ4 ص 101)
(7) رواه مسلم والترمذي
(8) رواه أحمد والبيهقي وزاد ومال من لا مال له وإسنادهما جيد
(9) رواه الطبراني
(10) رواه البخاري وغيره (الترغيب والترهيب جـ4 ص 133)
(11) رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن صحيح والطبري
(12) قصص الأنبياء لابن كثير