تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(وكان الغلام يبرىء الأكمه والأبرص ويداوى الناس من سائر الأدواء) وينطلق بدعوته فيسير بالمعروف بين الناس مؤلفاً قلوبهم بالمنافع والخير مؤكداً إنسانية الدعاة وحبهم للبشر ويكون عمله هذا تحقيقاً لقدر الله في حياة هؤلاء الناس ليؤمنوا بعد ذلك من خلال شفائهم ومداواتهم من سائر الأدواء بعد أن يحب الناس القدر الذي يتحقق فيهم باعتباره مداواة وشفاء ويصير حب القدر حباً لله وهو محقق هذا القدر وحباً للغلام وهو سبب هذا القدر وحباً للدعوة وهي حكمة هذا القدر. وقد كان هذا شأن جميع الأنبياء ومعجزاتهم وأوضح مثال على هذا عيسى عليه السلام الذي كانت معجزته كما قال: ﴿وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله﴾ [آل عمران: 49].

وصالح عليه السلام الذي كانت معجزته الناقة التي تشرب ماء القوم يوماً وتعطيهم لبناً وتترك لهم الماء يوماً: ﴿قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم﴾ [الشعراء: 155].

غير أنه في معجزة موسى تأكدت بوضوح الأبعاد الكاملة للمعجزة وهي إثبات النبوة، والقيمة الحركية، والنفع الإنساني، فهي التي تأكدت بها نبوته ﴿قال أولو جئتك بشىء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين﴾ [الشعراء: 32 - 30].

وهي أيضاً التي نجا بها موسى ومن معه من فرعون: ﴿فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم﴾ [الشعراء: 63].

وهي أيضاً التي ضرب بها الحجر: ﴿وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم﴾ [البقرة: 60].

فالمعجزة وهي القدر الإلهي الذي يتحقق على أيدي الأنبياء ووسيلة إقناع الناس لم تكن خارقة كونية فحسب ولكنها كانت أيضاً منفعة مادية لكي يعلم من يمارس الدعوة بعد الأنبياء أن الإقناع مهما بلغت إمكانياته لا يكفي دون تقديم الخير للناس ليكون الإقناع بالعقل في الدعوة مع تأليف القلوب بالحب لها، وأن نطاق الدعوة لن يتعدى نطاق المنافع التي يؤلف بها هؤلاء الدعاة قلوب الناس.

وتتحدد العلاقة بين المعجزة والكرامة على أساس أن الكرامة تابعة للمعجزة لتبعية الأولياء للأنبياء ولذلك يقول ابن تيمية في أنواع الكرامة:

«ومنها ما يتحدى بها صاحبها أن دين الإسلام حق كالغلام الذي أتى الراهب وترك الساحر وأمر بقتل نفسه بسهمه باسم ربه وكان قد خرقت له العادة فلم يتمكنوا من قتله ..

أما الصالحون الذين يدعون إلى طريق الأنبياء لا يخرجون عنها فتلك خوارقهم من معجزات الأنبياء .. فهؤلاء إذا قدر أنه جرى على يد أحدهم ما جرى للأنبياء كما صارت النار برداً وسلاماً على أبي مسلم (1) كما صارت من قبل على إبراهيم الخليل أبو الأنبياء.

فهذه الأمور مؤكدة لآيات الأنبياء وهي أيضاً من معجزاتهم ما تقدمهم من الإرهاص» ا. هـ.

ولما كان الغلام من أمة عيسى عليه السلام كانت كرامته من جنس معجزة نبيه حيث كانت المعجزة التي هي ﴿وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله﴾ [آل عمران: 49].

وكانت كرامة الغلام أن (كان يبرىء الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء).

(1) - أحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أصحاب الأخدود · الصفحة ١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أصحاب الأخدودص ١٤