أما من الناحية التاريخية فقد كانت السرية مرحلة أساسية في تاريخ الدعوة منذ بدايتها؛ فهذا نوح أول رسول لأهل الأرض يقول: ﴿ثم إنى دعوتهم جهاراً ثم إنى أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً﴾ [نوح: 9،8].
غير أننا سنذكر مثالاً تفصيلياً بدعوة موسى؛ حيث نشأت ضرورة السرية فيها منذ اللحظة التي ولد فيها.
فإننا نعلم أن فرعون كان يذبح أبناء بني إسرائيل وأن موسى ولد في تلك الظروف فكان لابد من حمايته كإبن من أبناء بني إسرائيل الذين يذبحون، فدبر الله سبحانه وتعالى حماية موسى والتي بدأت بوحي الله إلى أمه: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافى ولا تحزنى إنا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾ [القصص:7].
والتقييم الحركي لهذه العملية يبرز الدقة المتناهية التي تمت بها فقد أمر الله أم موسى أن ترضعه لأن الله سبحانه بعد ذلك حرم عليه المراضع كلها حتى تكون رضاعة أمه سبباً في شبعه وقت تحريم المراضع عليه كما أن الله سبحانه جعل اليم يشارك في تنفيذ هذه العملية حتى تنقطع كل الخيوط التي قد يتوصل بها آل فرعون إلى معرفة المكان الذي جاء منه موسى ومعرفة حقيقته فكان أمر الله إلى اليم.
﴿فليلقه اليم بالساحل﴾ [طه: 39]
وفي الوقت الذي يلتقط فيه آل فرعون موسى من اليم يلقي الله عليه محبة منه.
﴿وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني﴾ [طه: 39].
ثم كانت المتابعة سراً لموقف موسى بواسطة أخته.
﴿فبصرت به عن جنب﴾ [القصص:11].
وتكلمت مع آل فرعون دون أن تخبرهم طبعاً أنها أخته: ﴿فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم﴾ [القصص: 12].
دون أن تخبرهم أن البيت المقصود هو بيته، ويعود موسى إلى أمه بالأمان والحماية بعد عملية دقيقة قوية تثبت دقتها وتأكدت قوتها من خلال قول الله: ﴿يأخذه عدو لي وعدو له﴾ [طه: 39].
فقد بلغ الأمر أن يسلم موسى إلى آل فرعون ليتحقق له النجاة منهم وقد كان هذا تأكيداً لقيمة السرية في حماية موسى بواقعه الفردي.
أما قيمة السرية في حماية واقع الدعوة فتكشفه لنا آيات القرآن ونكتشف بتلك الآيات وجود تنظيم سري دقيق في دعوة موسى ووجود الدلائل المادية عليه.
كان الدليل هو إيمان رجل من آل فرعون: ﴿وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله﴾ [غافر: 28].
وقد كان الرجل من آل فرعون واستطاع أن يكتم إيمانه مما يدل على أصالة هذا الإنسان وقوة هذا التنظيم ويزداد قرب الآيات القرآنية من واقع فرعون لتكشف لنا إيمان زوجة فرعون نفسه.
﴿وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لى عندك بيتاً في الجنة ونجنى من فرعون وعمله ونجنى من القوم الظالمين﴾ [التحريم:11].
وذلك دون أن يدري فرعون رغم مافى العلاقة الزوجية من خطورة على الأسرار إذ أنها علاقة إفضاء بالمشاعر والأفكار، ولنا أن نؤكد دقة وقوة هذا التنظيم الذي كان في عهد موسى من خلال امتداده سراً إلى آل فرعون وامرأة فرعون ومن خلال التوقيت الذي كشف فيه الرجل المؤمن عن إيمانه إذ أنه كان الوقت الذي تقرر فيه قتل موسى.
ونعود إلى القصة لنجد الغلام قد بدأ دوره.