هذه الشواهد القليلة قاعدة يقاس عليها (1). والملاحظ أن اختلاف المعيار في التقعيد لا يقتصر على الخلاف في بعض القواعد، بل يؤدي إلى تعدد في التحليل أحياناً، كما رأينا عند البصريين والكوفيين في تحليل المعرف بالألف واللام بعد أداة النداء.
وربما أدّى تفاوت القواعد عند النّحوي الواحد إلى أن يمنع القياس على بعضها في توليد الكلام، ويجعل عملية القياس عليها تقتصر على الشواهد الفصيحة التي يحللها، وذلك إذا لم يستطع أن يوجهها في ضوء قاعدة أقوى. يرى أبو حيان (ت745هـ) مثلاً أن زيادة الباء في المفعول لا تنقاس (2). وعندما يأتي إلى قوله تعالى: [إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وخَافُونِ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ] (3). يقف عند إحدى القراءات (4) "يخوفكم بأوليائه "، فيجيز في أحد الوجوه زيادة الباء في " أوليائه " ليجعلها مفعولاً ثانياً ... لـ "يخوف " (5). ولعله في هذا الأمر لم يقع في تناقض، وإنما يعتمد أمثال هذه القواعد المبنية على شواهد قليلة في التحليل إذا اضطره الأمر إلى ذلك، مدركاً أنها غير مطردة، وبذلك نرى قواعد ضعيفة مأخوذة من شواهد قليلة يقيس عليها النّحوي في تحليله، عندما لا يجد قاعدة أقوى يوجه في ضوئها، وقواعد أخرى أقوى تتجاوز ذلك ليقاس عليها في تحليل الكلام وتوليده.
وقد تتشعب القواعد وتمتد، فتتجاوز عناصر الأنماط التركيبية، لتشمل معطيات السياق، فيقال مثلاً: " متى أمكن حمل الكلام على غير إضمار مع صحة المعنى كان أولى من حمله على الإضمار" (6)، و"الضمير لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل" (7)، وغير ذلك.
(1). ابن الأنباري، كمال الدين أبو البركات: الإنصاف في مسائل الخلاف1/ 335 - 340.
(2). البحر المحيط2/ 226.
(3). سورة آل عمران، الآية "175 ".
(4). قراءة أُبيّ والنُّخعي، انظر: مكرم، عبد العال سالم، وعمر، أحمد مختار: معجم القراءات القرآنية 2/ 85.
(5). البحر المحيط3/ 125.
(6). المصدر نفسه1/ 575.
(7). المصدر نفسه2/ 6.