وربما كان تعدد الأداء سبباً في أن يجعل الأسلوب يحتمل الإخبار والدعاء. قال تعالى: [قَالَ رَجُلاَن مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكُمْ غَالِبُونَ] (1). تحتمل جملة " أنعم الله عليهما " الاعتراض بين القول ومقوله " ادخلوا ... "، والصفة لـ " رجلان " (2)، والحالية من "رجلان" لأنه وصف، وذلك بتقدير " قد " في صدر الجملة (3)، وإذا كانت وصفية أو حالية فالأسلوب يبقى إخباراً، أما إذا كانت معترضة فالأسلوب يتحول من الإخبار إلى الدعاء (4) الذي تفيده الجملة المذكورة. ويبدو أن الأداء الذي يقتضيه الوجه الأول والثاني يتجلى بتدرجات تنغيمية مستوية ومتواصلة، بخلاف الوجه الثالث الذي يقتضي تدرجاً تنغيميّاً مستوياً حتى المقطع " فونَ " من " يخافون "، ثم مرتفعاً واقعاً على " أنعم " بعد فاصلة تنغيمية بسيطة.
وربما أسهمت طبيعة الأداء في تعدد الأوجه للشواهد التي قد تخرج على القاعدة، فهناك بعض الشواهد التي تحتمل في ظاهرها خروجاً على القاعدة، وطبيعة أدائها غائبة، مما يجعل بعض النحاة يفترض أداءً معيناً غير الذي يتبادر إلى الذهن، ليجعل التوجيه في اعتقاده أقوى من غيره. قال تعالى: [إلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاؤوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ] (5). ذهب الجمهور إلى أن جملة " حصرت صدورهم " تفيد أسلوب الإخبار (6)، ووقعت موقع الحال (7)، غير أن منهم من يرى أن الجملة الفعلية إذا وقعت موقع الحال، وكان فعلها ماضياً لابد أن تسبقه " قد "، وإذا لم تكن ظاهرة فهي مقدرة، لذلك قدروا " قد " قبل الجملة، وجعلوها حالاً من فاعل " جاء " (8)، وذهب بعضهم إلى أنه لا حاجة إلى تقدير " قد "، فجعلوا الجملة صفة
(1). سورة المائدة، الآية " 23 ".
(2). الكشاف 1/ 654.
(3). البحر المحيط 3/ 470.
(4). مغني اللبيب ص562.
(5). سورة النساء، الآية "90 ".
(6). مغني اللبيب ص562.
(7). البحر المحيط3/ 330.
(8). الكشاف1/ 579.