الأوّل غير منقولٍ من فاعل، فيجوز دخول " من " عليه، بخلاف الوجه الثاني الذي يبدو فيه التمييز منقولاً من فاعل (1). ولا شك أن أمثال هذه العبارات لا يتحدث بها المتكلم العادي من غير أن يستخدمها في مقام ما، ولكنّ النحوي يأتي بها من غير مقام لغاية الشرح والتوضيح لما يعرض من قواعد.
كما يذكر أبو حيان بعض المسائل التي ولّدها القياس، وتفتقر إلى المقام من ذلك أن نقول: زيدٌ عمروٌ ضاربه هو. إذا حذفت " هو " احتمل أن يكون الضمير المجرور في " ضاربه " عائداً على " زيد "، فيكون الضارب عمراً، واحتمل أن يعود على " عمرو " ليكون الضارب زيداً (2). فالمعنى، كما نرى، مرهون بالمقام الذي تفتقر إليه العبارة. وبذلك يتبين لنا أن غياب بعض عناصر المقام أو غياب المقام كاملاً يؤدّي إلى تعدّد في فهم الكلام الذي ينعكس على عملية التحليل النحوي.
ولعلّ الأمر نفسه يؤدّي إليه غياب الأداء، أي الصورة الصوتّية التي يؤدّى بها الحدث الكلامي، إذ يقود هذا الأمر إلى تعدّد في فهم المعنى الذي ينعكس على عملية التحليل النحوي، ويتجلّى الأداء في ظاهرتين معروفتين، ظاهرة التنغيم وظاهرة الوصل والوقف.
يعرَّف التنغيم بأنه تنوع الأصوات الذي يحدثه اهتزاز الوترين الصوتيين، تنوعٌ يتراوح بين الارتفاع والانخفاض في أثناء النطق، وينظم علاقة الوحدات اللغوية المتتابعة في السياق ليشكل الإطار الصوتي الذي تقال به الجملة (3). وينقسم التنغيم إلى مرتفع ومستوٍ ومنخفض، ويبدو أن كل أسلوب نحوي يتفق مع نمط تنغيمي خاص به، فما يقتضيه أسلوب الاستفهام مثلاً يختلف عما يقتضيه أسلوب
(1). ارتشاف الضرَب من لسان العرب 2/ 379 - 380.
(2). منهج السالك ص 41.
(3). أحمد، نوزاد حسن: المنهج الوصفي في كتاب سيبويه ص260 - 261.