الضمير على " اليد "، فرأى أنّه يجوز أن يعود على "اللحية" (1)، بناء على فهم المعنى الذي تعدّد لغياب المقام.
وربّما غابت عناصر المقام كلها، وأدت إلى غموض المراد من الكلام، وهو ما يطالعنا أحياناً في بعض الشّواهد التي يتعدّد تفسيرها وتحليلها نحويّاً بحسب الفهم الذي يرتئيه الدارس، من ذلك مثلاً العبارة التالية: كَذَبَ عَليكَ الحجَّ. يورد الزمخشري رأياً لابن السّراج (ت316هـ)، فيفترض هذا الأخير مقاماً يقتضي وجود ثلاثة أشخاص جرى بينهم الحوار على الشكل التالي: شخص يريد الحج فسأل شخصاً ما عنه، أو تدخّل هذا الشخص من غير سؤال، فذّم الحج، فقال الثالث: كذبَ. يريد من يذمّ الحج، ثم توجّه إلى الراغب في الحجّ، فقال له: عليك الحجَّ (2). وبذلك يخرّج أبو بكر العبارة، بأن جعلها عبارتين، الأولى من فعل وفاعلٍ يعود على من ذمّ الحجّ، والثانية من اسم فعل ومفعول به لإغراء من يودّ الحجّ (3). غير أن الزمخشري يرجّح تخريجاً آخر من غير أن يفترض مقاماً ما، وهو أنّ المراد بالكذب الترغيب، كقولك العرب: كذبته نفسه إذا منّته بالأماني وخيّلت إليه من الآمال ما لا يكاد يكون، لذلك فمعنى " كذب " هو ليرغبك، تخريج العبارة بأن يكون فاعل " كذب " ضميراً يعود على الحجّ، والمراد ترغيب المخاطب، ثم يأتي أسلوب الإغراء المؤلّف من اسم الفعل ... "عليك " ومفعوله " الحجّ " (4).
وربمّا لم يكن للعبارة مقام، فيؤدّي افتقارها إليه إلى تعدّد في تحليلها النّحوي، ويتجلى هذا الأمر في الأمثلة التي يعرضها النّحاة لقواعد التنظير التعليميّة، وفي المسائل التي يولّدها القياس. يمثّل أبو حيان للقواعد التي يعرضها ببعض العبارات التي تفتقر إلى المقام، ففي أثناء حديثه عن التمييز المحوّل مثلاً يذكر عبارة " كَرُمَ زيدٌ أباً " ثُمَّ يبين أنها تحتمل أن يكون زيدٌ هو الأب، أي بمعنى: ما أكرمه من أبٍ، وتحتمل أن المراد: كرم أبو زيدٍ، وليس زيداً، ثم يعقب بأنّ التمييز في الوجه
(1). المصدر نفسه.
(2). المصدر نفسه، 2/ 402 - 403.
(3). المصدر نفسه.
(4). الفائق في غريب الحديث2/ 402 - 403.