... كانت المزارع الإيطالية قائمة من حولنا على امتداد البصر، إلى مئات الكيلومترات، كانت البيوت والمخازن والمنشآت الإيطالية منشورة وسط هاتيك المزارع..وكانت الأسماء والإعلانات الإيطالية لا تزال على الجدران البيضاء، بالخط العريض البارز، والحبر الأسود الفاحم..
... وقلت ماذا؟ ما الذي أراه؟ وكان السؤال عجبا واستغرابا، لا استفهاما ولا استيضاحا، وأدركت يومذاك براعة البلاغيين العرب حين قالوا أن السؤال قد يكون استنكارا لا استفهاما.
... وقال السيد حسين مازق: هذه ممتلكات الطليان..هذه قراهم.. هذه مزارعهم..
... ومضت السيارة تجتاز هذا السهل وذاك، ونصعد الجبل ثم ننزل إلى هذا الوادي، وأبصارنا مشدودة إلى المزارع.. إلى المنازل.. إلى المخازن.. بالمئات والمئات.. واللغة الإيطالية عليها تنبئ أنها ممتلكات إيطالية..
... وكانت هذه الممتلكات في معظم الأحوال خالية من أحد.. عدا الرعاة الليبيين. ومواشيهم الليبية تجوس خلال الممتلكات الإيطالية.. وكانت المنازل والحدائق من حولها متروكة مهجورة، وخيام الأعراب مشدودة إلى جدران البيوت، أو منصوبة وسط الحدائق مربوطة بأشجارها..
... وقال السيد حسين مازق كأنه يريد أن يعتذر: لقد حاولنا أن نقنع البدو أن يكونوا في المنازل بدلا من أن ينصبوا الخيام، ولم نفلح.
... قلت: إنّي أعرف من أمرهم الكثير.. إنهم يخشون من سكنى البيوت خوفا من البراغيث..
.. قال ضاحكاً: يظهر أنك عشت مع البدو وتعرف طباعهم..