تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتطلع لإقامتها، فذلك كله ما لا تتحمله الإدارة الإفرنسية، وما لا تطيق سماعه.

... وكان يوم الثالث عشر من أيار من عام 1927، فقد جاء رجال الشرطة إلى الجامعة، واقتادوني إلى سراي الحكومة، وأدخلت إلى إحدى الغرف المجاورة لمدخل السراي، وفي هذه الغرفة وجدت سيدة إفرنسية تطبع على الآلة الكاتبة، وتروح وتغدو إلى الغرفة المجاورة.

... وبقيت في الغرفة أنتظر على غير هدى، لا أدري ماذا ينتظرني، وقد غاظني أن هذه السيدة كانت تتوقف عن الطباعة من وقت لآخر، لتنظر في المرآة، ثم تخرج أدوات الزينة من محفظتها، وتعالج وجهها بالأحمر والأبيض، ولم يكن هذا المشهد مألوفا علي، واعتبرته فجوراً إفرنسيا وافداً علينا في ركاب الانتداب الإفرنسي.

... وما هي إلاّ دقائق، حتى دخل علينا ضابط إفرنسي من الغرفة المجاورة، وتناول الورقة المطبوعة من السيدة الإفرنسية وسلمني إياها وهو يقول "صدر الأمر بإبعادك من البلاد المشمولة بالانتداب الإفرنسي" وطلب إليّ أن أغادر البلاد في اليوم الثاني. ولم يزد على ذلك قليلاً أو كثيراً.

... ولقد أصابني الفزع والهلع، فهذه هي سنتي الأولى في الجامعة، وفيها ربطت مستقبلي، وسيبقى أخي "أنور" فيها يواصل دراسة الطب، ولولاه ما وطئت قدماي أرض بيروت، وأنا لا أدري ماذا سيحل بي حين أعود إلى عكا مطروداً.

أربعون عاماً في الحياة العربية والدولية · الصفحة ١٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أربعون عاماً في الحياة العربية والدوليةص ١٥١