تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المفتونين من أنصار الطواغيت وأعوانهم في وزارات اليوم أو المشاركين لهم بالتشريع في برلماناتهم ..

رابعاً: إذا عرفت ما سبق كلَّه وتحقق لديك يقيناً بأنَّ تولي يوسف عليه السلام للوزارة لم يكن مخالفاً للتوحيد ولا مُناقضاً لملَّة إبراهيم كما هو حال توليها في هذا الزمان ..

فعلى فرضِ أن الملك بقي على كفره .. فتكون مسألةُ تولي يوسف هذه الولاية مسألةً من مسائل الفروع لا إشكال فيها في أصل الدين لما تقرر من قبل بأن يوسف لم يقع منه كفرٌ أو شركٌ أو تولي للكفار أو تشريعٌ مع الله بل كان آمراً بالتوحيد ناهياً عن ذلك كلِّه .. وقد قال الله تعالى في باب فروعُ الأحكام: ﴿لكلٍّ جعلنا منكم شِرعةً ومنهاجاً﴾ [المائدة: 48]. فشرائعُ الأنبياء قد تتنوع في فروع الأحكام لكنِّها في باب التوحيد واحدة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نحن معاشرَ الأنبياء إخوةٌ لعلات ديننا واحد» [رواه البخاري]. يعني: إخوةٌ من أمهات مختلفة والأب واحد .. إشارةٌ إلى الإتفاق في أصل التوحيد والتنوع في فروع الشريعة وأحكامها ... فقد يكون الشيءُ في باب الأحكام في شريعة من قبلنا حراماً ثم يحل لنا كالغنائم، وقد يحصل العكس، أو شديداً على من قبلنا فيخفف عنا وهكذا .. ولذا فليس كلُّ شرعٍ في شرع من قبلنا شرعٌ لنا .. خصوصاً إذا عارضه من شرعنا دليل ..

وقد صح الدليل في شرعنا على معارضة هذا الذي كان مشروعاً ليوسف عليه السلام، وتحريمه علينا .. فروى ابن حبان في صحيحه وأبو يعلى والطبراني أنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليأتين عليكم أُمراء سفهاء يقربون شرار النّاس، ويُؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منكم فلا يكونن عريفًا، ولا شرطياً، ولا جابياً، ولاخازناً».

والراجحُ أنَّ هؤلاء الأمراء ليسوا كفاراً بل فُجاراً سفهاء، لأن المحذِّر عادةً إذا حذر فإنما يذكر أعظم المفاسد والمساوئ، فلو كانوا كفاراً لبينه - صلى الله عليه وسلم -، لكن أعظمَ جرائمهم التي ذكرها النبي - صلى الله عليه وسلم - هنا؛ هي تقريب شِرار النّاس وتأخيُر الصلاة عن مواقيتها .. ومع هذا فقد نهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ها هنا نهياً صريحاً عن أن يكون المرءُ لهم خازناً .. فإذا كان توالي وظيفة الخازن عند أُمراء الجور منهياً عنه في شرعنا ومحرماً .. فكيف بتولي وزارة الخزانة عند ملوك الكفر وأُمراء الشرك؟. ﴿قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظٌ عليم﴾ [يوسف: 55]. فهذا دليلٌ صحيحٌ وبرهانٌ صريحٌ على أنَّ هذا كان من شرع من قبلنا، وأنه منسوخٌ في شرعنا ... والله تعالى أعلم ..

وفي هذا الكفاية لمن أراد الهداية .. لكن من يُقدِّم استحسانه واستصلاحه وأقاويل الرجال على الأدلة والبراهين، فلو انتطحت الجبال بين يديه لما ظفر بالهدى .. ﴿ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً .. ﴾ [المائدة: 41].

وأخيراً وقبل أن أختم الكلام على هذه الشبهة أُنبِّه إلى أنَّ بعض المفتونين الذين يسوِّغون الشرك والكفر باستحسانهم واستصلاحهم الولوغَ في الوزارات الكفرية والبرلمانات الشركية يخلطون في حججهم وشبههم كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- حول تولي يوسف عليه السلام الوزارة ... وهذا في الحقيقة مِن لَبس الحق

أقوال الأئمة والدعاة · الصفحة ١٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أقوال الأئمة والدعاةص ١٠٦