ثم إن الأمير طرنطاي حمل السلطان قلاون في محفة بعد المغرب، وهو ميت، وطلع به إلى القلعة، وغسله وكفنه، ونزل به في تابوت بعد العشاء، والأمراء وأعيان الناس من القضاة وغيرهم مشاه قدامه، وهم يتباكون، إلى أن وَصَلُّوا به إلى القبة التي أنشأها بين القصرين، فَدُفنَ بِهَا.
وكانت وفاته في يوم السبت سادس ذي القعدة سنة تسع وثمانين وستمائة، ودُفن في ليلة الأحد، وكانت مُدّة توعكه تسعة عشر يومًا.
وكانت مُدّة سلطنته بالديار المصريّة إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر وستة أيام، كما قيل:
كل ابن أنثى، وإن طالت سَلامَتَهُ … يَوْمًا عَلَى آلَةٍ حَدْبَاءَ مَحْمُولُ (١)
وَلما مَاتَ المنصور قلاون خلف من الأولاد ثلاثة ذكور، هم الأشرف خليل، والناصر محمد، والأمير أحمد ولد بعدَ وَفَاتِهِ.
وَكَانَ المنصور قلاون حسن الشكل، مُعتدل القامة، درى اللون، قليل الكلام بالعربي، وَكانَ شُجاعًا بطلًا مقدامًا، وكانَ مُغرمًا بمشتري المماليك، حتى قيل: "تكامل عنده من المماليك اثني عشر ألف مملوك"، وقيل: "سبعة ألاف مملوك".
ومما يدلُ عَلى عُلو همتهُ، وَحُسن اعتقاده؛ وَهوَ عَمارته للبيمارستان الذي بين القصرين، وهوَ مِنْ حسنات الزمان تحتاج له الملوك ويفتقر إليه الغني والصعلوك، ولا يعلم أحد في الإسلام أحسن وفقًا ولا أحسن شرطًا منه، ولا أكثر مصرُوفًا عَلى وجوه البر والصدقات مثله، وقد كفاه ذلك في الدنيا والآخرة.
وهو الذي غير تلك الملابس الشنيعة، التي كانت تُلبس في الدول القديمة للعسكر، قيل: كان كلوتاتهم صوف أصفر مُضرَّبة عريض بغير شاش (٢)، وكانت المماليك تُربي لهم ذوائب شعر خلفهُمْ وَيجْعَلُونها في أكياس حرير أحمر وأصفر، وكانُوا يَشدُوا في أوساطهم بنُود بعلبكي مصبوغة عوضا عن الحوائص (٣)، وكانتْ أمامهم ضيقة جدا، وكانت أخفافهم بُرغَالي (٤)، ويلبسون
(١) بحر البسيط؛ البيت لكعب بن زهير بن أبي سلمى. (انظر: جمهرة أشعار العرب، ص ٦٣٨).
(٢) جمع كلوتة وهى غطاء للرأس تشبه الطاقية؛ والشاش: هي قطعة من قماش. (انظر: الملابس العربية، دوزي ٢٣٦ - ٢٤٠).
(٣) حياصة، بمعنى الحزام أى ما يشد في الوسط. (صبح الأعشى ٤/ ٤٠).
(٤) خف من جلد الفرس مبطن بجلد ذئب. (النجوم الزاهرة ٧/ ٣٣١ هامش ٤).