السلطان الأمراء والعسكر، فلما وصلوا إليه هَربَ منْهُم، فتبعوه إلى آخر بلادِهِ، فغنموا أشياء كثيرة من الجوار والعبيد وغير ذلك، وَرَجِعُوا العسكر إلى القاهرة.
ثُم دخلت سنة تسع وثمانين وستمائة، فيها: عزم السلطان الملك المنصور قلاون على التوجه إلى نحو البلاد الشامية، وَقَصدَ أنْ يُحاصر مدينة عكا، فخرج من القاهرة في ثامن عشر شوال من السنة المذكورة فنزل بالريدانية، وأقام بها حتى يتكامل العسكر؛ فوجد في نفسه توعك، ثم صَارَ الأمر يتزايد عليه، وثقل في المرض.
وكَانَ وَلدَهُ الأمير خليل قد عهد إليه والده قلاون في أيام حياتِهِ، وَلقبه بالملك الأشرف، لما توعك السلطان اضطربت الأحوال، وصَارَ ولده الأشرف خليل ينزل إليه في كل يوم من القلعة ويتفقد أحواله، ثم يرجع إلى القلعة.
وكان الأمراء يَدخُلُون على السلطان في كلّ يوم صُحبة الحكماء، فلما رأى الأمير طرنطاي النائب حال السلطان قد تغيّر وزاد به الإسهال، منع الأمراء من الدخول إلى السلطان، وصار يدخل إليه الأمير طرنطاي وَحَدَهُ.
فلما قوي بالسلطان الألم، وتحققوا موته، فاجتمعوا الأمراء، وَجَاءوا إلى الأمير طرنطاي النائب، وقالوا له: "أنت تعلم ما بينك وبين الملك الأشرف خليل من حظ النفس، وبغضه فيك، وقد صَارَ الأمر إليهِ، وَالسُلطان ما بقى فيه رجوة، ومتى صَارَ الحُكم إليه، فَهو قاتلك لا محاله، فبادر إليه وأمسكه قبل أن يمسكك، ونحن كُلنَا عُصبتك"، فسكت الأمير طرنطاي ساعة، ثم قَالَ: "كيف يُشاع عني أني خنتُ ابن أستاذي من بعده وقتلتهُ فإِنْ رَضِي بِي كنتُ مَمْلُوكه ومملوك والده، وأن قتلني صرت من جملة الشُّهداء، وكنتُ مَظْلُومًا".
ثم إن المنصور قلاون أخذ في النزع، فقعد الأمير طرنطاي عند رأسه حتى مَاتَ، وغمضه.
فلما أصبح الصباح، جاء الأمراء على العادة، فلم يُمكنهم من الدخول إلى السلطان، فمضوا إلى بيوتهم، ثم إنه أرسل خزائن المال والاطلاب (١) الذي كانُوا مع السلطان بسبب السفر إلى الشام، وأرسل يُعرف ولده الأشرف خليل، وأشار عليه أنه يُقيم بالقلعة، ولا ينزل إلى المدينة، ووكل به مقدم المماليك.
(١) لفظ كردي معناه الأمير. ثم عدل مدلوله فأصبح يطلق على الكتيبة من الجيش، وكان أول استعمال هذا اللفظ بمصر والشام أيام صلاح الدين الكبير. (تكملة المعاجم العربية ٧/ ٦٣).