تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثُم دخلت سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، فيها: تزايدت عظمة السلطان الملك الناصر محمد، وكثرت مماليكه، حتى صَارَ رَاتبهُ وَرَاتب مماليكه في كلّ يوم من اللحم ستة وثلاثين ألف رطل، وبالغ في مُشترى المماليك.

وَهوَ أُولُ من اتخذ الشاش والقماش للعسكر، والأقبية المفتوحة، والطرز الذهب، والحوايص الذهب، والأقبية القاقم.

وهو أولُ من رَتَّب المواكب في القصر عَلى هَذَا الترتيب الحسن، ورتّب وقوف الأمراء في المواكب على قدر منازلهم، وكذلك أرباب الوظائف من المتعممين.

وقد طالت أيامه في السلطنة بخلاف من تقدمه من الملوك، وصفا له الوقت، وَصَارَ أكثر الأمراء والنواب مماليكه ومماليك والده قلاون؛ ولا يُعلم لأحدٍ من الملوك آثارٌ مثله، ومثل مماليكه، حتى قيل: قد تزايدت في أيامِهِ الدِّيَارِ المصريّة والبلاد الشاميّة من العمائر مقدار نصفها من جوامع وَقِنَاطِرٍ وَجَسُور وغير ذلك.

قال الشيخ سيف الدين أبو بكر بن أسد في تاريخه: وقفتُ عَلى تواريخ الملوك المتقدمة فما رأيتُ لأحدٍ مِنَ الملوك مَا وَقعَ للملك الناصر محمد بن قلاون، فأنهُ خُطبَ له في أماكن لم يُخطب فيها لأحدٍ من الملوك قبلهُ، وَكَاتِبُوهُ سَائر ملوك الأرض من مسلم وكافر، وَهَابُوهُ وهَادُوهُ وَخشُوا من سطوته، وهذا لم يتفق لغيره من الملوك، وَكَانَ مَسعُودًا في حركاتهِ مُحببًا لِلنَّاسِ؛ وَفِيهِ يَقُولُ الصفي الحلّي من أبيَاتِ مدحه بها:

الناصر السلطان مَنْ (١) خضعت لَهُ … كل (٢) الملوك مشارقا ومغاربا

ملك يرى تَعبَ المكارِمِ رَاحَة … وَيَعُدّ رَاحَاتِ الْفَرَاغِ مَتَاعِبَا

تُرجَى مكارمهُ وَيُخشى (٣) بطشه … مثل الزمَانِ مُسَالَمًا وَمُحارِبًا

فَإِذَا سَطَا مَلأ الْقُلُوب مهَابَة … وَإِذا سخَا مَلأ الْعُيُون مَواهِبَا (٤)

وَلَمْ يَزل مُنتصبًا عَلى تحتِ مملكته حتى مَرضَ، وَمَاتَ على فراشه في ليلة الخميس في العشرين من ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وَمَاتَ وَلَهُ

(١) في ديوان صفي الدين الحلّي ص ٩٦: "الملك الَّذِي".

(٢) في ديوان صفي الدين الحلّي ص ٩٦: "صيد".

(٣) في ديوان صفي الدين الحلّي ص ٩٦: "مواهبه ويرهب".

(٤) بحر الكامل.

عقود الجمان في وقائع الأزمان · الصفحة ١٦٢

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عقود الجمان في وقائع الأزمانص ١٦٢