وكان تنكز عفيف الذيل واليد، غير أنهُ كانَ صَعبَ الخُلق، شديد الغضب، ما غضبَ عَلَى أَحدٍ ثُم رضى عنه أبدًا.
فلَمَا تُقل أمره على الملك الناصر، أَوْ قَعِتْ العِدي بين السلطان وبينه، فأرسل إليه الأمير بشتاك الناصري، والأمير يلبغا اليحياوي، فلمَا وَصَلُّوا إِلَيهِ قَالُوا لَهُ: "السلطان رسم بأن تحضر إلى القاهرة ليزوج ابنك ببنت السلطان"، فقال تنكز للأمراء الذين حضروا من القاهرة: "أمضوا أنتُم وَأنا أحضر بولدي إلى الأبواب الشريفة بَعدَكُم بسرعة"، فلما حضروا عند السلطان أغلظوا في العبارة، وَأُثخنوا جراحاتِ تنكز عند الملك الناصر.
فعند ذلك أرسل إليه السلطان الأمير طَاجَار الدوادار، وقال له: "قُم أحضر عند السلطان والخيرة لك"، ولو أن تنكز حضر إلى السلطان صحبة [٥٢ ب/] الأمير بشتاك، والأمير يَلبُغَا اليحياوي، كانَ حَصل له كل خير وافر، وَمَا كَانَ السلطان يسمع فيه كلام الأعداء، ثم إن تنكز قال لطاجار: "أمض أنتَ، وَأَنَا بَعدَ ثمانية أيام خلفك".
فلمّا حضرَ طَاجَار عند السُلطان، وَرَدَّ الجواب بغير طائل، فتغير السلطان على تنكز تغيّرًا عظيمًا، وَعيَّن له تجريدة ثقيلة، ورسم للنواب بأن يمشوا عليه من هناك، فمشى عليه الأمير طشتمر حمص أحضر نائب صفد (١)، والعسكر المصري، فعند ذلك قبضوا على تنكز نائب الشام، وأرسلُوهُ صُحبة الأمير بيبرس السلحدار، وكان ذلك في ثالث عشر ذي الحجة.
ثم أحاطوا على موجوده، فالذي ضبط من ذلك من الذهب العين ثلثمائة ألف دينار، وستين ألف دينار، ومن الفضة النُقرَة ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم؛ وَوُجد له من البلخش والياقوت واللؤلؤ الحبّ الكبار ما لا يُحصى؛ وَوُجِدَ عنده من الأطرز الزركش والحوايص الذهب والخلع الأطلس ما لا يُحصى لكثرته (٢)، وَوُجِدَ عندَهُ من أَصْنَافِ الأقمشة والبرك فكانَ عِدَّةِ مَا حُمل عليه ذلك البرك ثمانمائة حمل جمل (٣)، وَوُجِدَ لَهُ ودَائعٌ عند الناس أربعون ألف دينار (٤)، وألف ألف ومائة ألف درهم نقرة، وَوُجِدَ لَهُ منَ الأملاك والضياع بمصر والشام
(١) خروج نائب صفد، لم يرد في بدائع الزهور.
(٢) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٧٨: "مائة وخمسين بقجة".
(٣) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٧٨: "مائة وخمسين جملا".
(٤) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٧٨: "مائتين وخمسين ألف دينار".