قد أخلف النشو صهرَ سُوءٍ … قبيح فعل كما تروهُ
أرَادَ لِلشر فتح باب … فأغلقوه وسمَّرُوهُ (١)
ثُم دخلت سنة أربعين وسبعمائة، فيها توفي الخليفة أبو الربيع سليمان، وهو بقوص، وكانت وفاته في شهر شعبان من السنة المذكورة (٢).
وَفِيهَا تُوفي سيّدى أنُوك وَلدَ السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون، وَكَانَ أعز أولاده عندَهُ، وَكانَ مليح الشكل، حسن الهيئة، بديع الجمال، وَمَاتَ مِنَ العُمر نحو عشرين سنة، فتأسف عليه السلطان أسفًا شديدًا، وأظهر عليه الحزن وَمِمَّا رَبَّاهُ به الشيخ صلاح الدين الصفدي، وهو قوله:
مضيتَ وَكُنْتَ لِلدُنيَا جَمالًا … وَجَرَّعْتَ "النجوم الزهر" (٣) فَقْدَكْ
وَمِنْ عَجَب الليالي فيك أن لا … يَمُوتَ أَبُوكَ يَا آنُوكَ بَعْدَكْ (٤)
وفيها: أرسل السلطان الأمير بشتاك الناصري، والأمير يلبغا اليحياوي، [٥٢/ ١] وَصُحبتهم عشرين مملوكًا من الخاصكيّة، وأمرهم بالقبض على تنكز نائب الشام.
وكان أصل تنكز من مماليك الملك المنصور لاجين، ولهذا كانَ يُدعى تنكز الحسامي، فلما قُتل المنصور لاجين وتولى الملك الناصر محمد أخذ تنكز من جملة موجُود الملك المنصور لاجين، وَصَارَ من مماليك الناصر محمد، ثُم جعله خاصكيًا، ثُم بقي أمير عشرة، ثُم بقي أمير طبلخانَاة، ثُم بقي مقدم ألف، ثُم بقي نائب الشام.
وكان تنكز دينا خيرًا، كثير البرّ والمعروف، وَلهُ آثارٌ كثيرة بمصر والشام، وَأَقَامَ في نيابة دمشق ثمانية وعشرين سنة، وعظم أمرهُ وَهَابته الملوك والأمراء وَالنُّوابِ، وَكَانَ لَهُ عِنْدَ السلطان الملك الناصر منزلة عظيمة، حتى كانَ يُكاتبه "أعز الله أنصار المقر الكريم"، وزادَهُ في الألقاب الأتابكي الزاهدي العايدي، معز الإسلام والمسلمين، سيّد الأمراء في العالمين (٥)، وهذَا لَمْ يقع لِنَائِبٍ قَبْلَهُ مِنَ النواب، وكان السلطان لا يفعل شيئًا من الأمور حتى يُرسل يُشاور تنكز فيها.
(١) بحر مخلع البسيط.
(٢) لم يرد هذا الخبر في بدائع الزهور وجواهر السلوك.
(٣) في أعيان العصر وأعوان النصر ١/ ٦٣٣: "الكواكب فيك".
(٤) بحر الوافر؛ البيتان في أعيان العصر وأعوان النصر ١/ ٦٣٣
(٥) هذه الألقاب لم يرد ذكرها في بدائع الزهور.