تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بل إذا حلف من عليه حق باسم الله تعالى لم يقبل منه، فإذا حلف باسم ولي من أوليائهم قبلوه وصدقوه، وهكذا كانت عبادة الأصنام، (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ). وفي الحديث الصحيح: "من حلف فليحلف بالله أو ليصمت"، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يحلف باللات فأمره أن يقول: لا إله إلا الله، وهذا يدل على أنه ارتد بالحلف بالصنم فأمره أن يجدد إسلامه فإنه قد كفر بذلك كما قررنا في (سبل السلام شرح بلوغ المرام)، وفي (منحة الغفار).

(فإن قلت) لا سواء، لأن هؤلاء قد قالوا: لا إله إلا الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها"، وقال لأسامة بن زيد: "قتلته بعدما قال لا إله إلا الله"؟ وهؤلاء يصلون ويصومون ويزكون ويحجون بخلاف المشركين.

(قلت) قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إلا بحقها"، وحقها إفراد الألوهية والعبودية لله تعالى، والقبوريون لم يفردوا هذه العبادة فلم تنفعهم كلمة الشهادة، فإنها لاتنفع إلا مع التزام معناها، ولم ينفع اليهود قولها لأنكارهم بعض الأنبياء، وكذلك من جعل غير من أرسله الله نبياً لم تنفعه كلمة الشهادة، ألا ترى أن بني حنيفة كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصلون ولكنهم قالوا: أن مسيلمة نبي فقاتلهم الصحابة وسبوهم، فكيف بمن جعل للولي خاصة الإلهية ويناديه للمهمات.

وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حرق أصحاب عبد الله بن سبأ وكانوا يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولكن غلوا في علي رضي الله عنه واعتقدوا فيه ما يعتقد القبوريون وأشباههم؛ بل عاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أحداً من العصاة، فإنه حفر لهم الحفائر، وأجج لهم ناراً وألقاهم فيها وقال:

إني إذا رأيت أمراً منكراً ... أججت ناري ودعوت قنبراً

وقال الشاعر في عصره:

لترم بي المنية حيث شاءت ... إذا لم ترم بي في الحفرتين

إذا ما أججوا فيهن ناراً ... رأيت الموت نقداً غير دين

والقصة في فتح الباري وغيره من كتب الحديث والسير. وقد وقع إجماع الأمة على أن من أنكر البعث كفر وقتل ولو قال لا إله إلا الله، فكيف بمن يجعل لله نداً؟

(فإن قلت): قد أنكر صلى الله عليه وسلم على أسامة قتله لمن قال لا إله إلا الله، كما هو معروف في كتب الحديث والسيرة.

قلت: لا شك أن من قال: لا إله إلا الله من الكفار حقن دمه وماله حتى يتبين منه ما يخالف ما قاله، ولذا أنزل الله في قصة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا) الآية فأمرهم الله تعالى بالتثبت في شأن من قال كلمة التوحيد: فإن التزم لمعناها كان ما للمسلمين وعليه ما عليهم؛ وإن تبين خلافه لم يحقن دمه وماله بمجرد التلفظ.

وهكذا كل من أظهر التوحيد وجب الكف عنه إلى أن يتين منه ما يخالف ذلك، فإذا تبين لم تنفع هذه الكلمة بمجردها ولذلك لم تنفع اليهود ولا نفعت الخوارج مع ما انضم إليها من العبادة التي يحتقر الصحابة عبادتهم إلى جنبها، بل أمر صلى الله عليه وسلم بقتلهم وقال: "لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد، وذلك لما خالفوا بعض الشريعة وكانوا شر القتلى تحت أديم السماء كما ثبتت به الأحاديث، فثبت أن مجرد كلمة التوحيد غير مانع من ثبوت شرك من قالها لارتكابه ما يخالفها من عبادة غير الله.

عقيدة الموحدين والرد على الضلال والمبتدعين · الصفحة ٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عقيدة الموحدين والرد على الضلال والمبتدعينص ٨١