فإن قلت: هؤلاء القبوريون يقولون: نحن لا نشرك بالله تعالى، ولا نجعل له نداً، والالتجاء إلى الأولياء ليس شركاً.
قلت: نعم (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) لكن هذا جهل منهم بمعنى الشرك؛ فإن تعظيمهم الأولياء ونحرهم النحائر لهم شرك، والله تعالى يقول: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) أي لا لغيره كما يفيد تقديم الظرف. ويقول تعالى: (فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً) وقد عرفت بما قدمنا قريباً أنه سمى الرياء شركاً فكيف بما ذكرناه؟ فهذا الذي يفعلونه لأوليائهم هو عين ما فعله المشركون وصاروا به مشركين ولا ينفعهم قولهم: نحن لا نشرك بالله شيئاً لأن فعلهم أكذب قولهم.
فإن قلت: هم جاهلون أنهم مشركون بما يفعلونه.
قلت: قد خرج الفقهاء في كتب الفقه في باب الردة أن من تكلم بكلمة الكفر كفر، وإن لم يقصد معناها، وهذا دال على أنهم لا يعرفون حقيقة الإسلام ولا ماهية التوحيد، فصاروا حينئذ كفاراً كفراً أصلياً، فالله تعالى فرض على عبادة إفراده بالعبادة (أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) وإخلاصها (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) الآية، ومن نادى الله ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً وخوفاً وطمعاً، ثم نادى معه غيره فقد أشرك في العبادة، فإن الدعاء من العبادة وقد سماها الله تعالى عبادة في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي) بعد قوله: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ).
(فإن قلت): فإذا كانوا مشركين وجب جهادهم والسلوك فيهم ما سلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في المشركين.
(قلت) إلى هذا ذهب طائفة من أئمة العلم فقالوا يجب أولاً دعاؤهم إلى التوحيد وإبانة أن ما يعتقدونه ينفع ويضر –لا يغني عنهم من الله شيئاً، وأنهم أمثالهم، وأن هذا الاعتقاد منهم فيهم شرك لا يتم الإيمان يما جاءت به الرسل إلا بتركه والتوبة منه؛ وإفراد التوحيد اعتقاداً وعملاً لله وحده.
وهذا واجب على العلماء (أي) بيان أن ذلك لاعتقاد الذي تفرعت عن النذور والنحائر والطواف بالقبور شرك محرم، وأنه عين ما كان يفعله المشركون لأصنامهم. فإذا أبانت العلماء (ذلك) للأئمة والملوك وجب على الأئمة والملوك بعث دعاة إلى إخلاص التوحيد؛ فمن رجع وأقر حقن عليه دمه وماله وذراريه؛ ومن أصر فقد أباح الله منه ما أباح لرسوله صلى الله عليه وسلم من المشركين.
فصل
(فإن قلت): الاستغاثة قد ثبتت في الأحاديث فإنه قد صح أن العباد يوم القيامة يستغيبثون بآدم أبي البشر ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى؛ ينتهون إلى محمد صلى الله عليه وسلم بعد اعتذار كل واحد من الأنبياء؛ فهذا دليل على أن الاستغاثة بغير الله ليست بمنكر.
(قلت) هذا تلبيس، فإن الاستغاثة بالمخلوقين الأحياء فيما يقدرون عليه لا ينكرها أحد، وقد قال الله تعالى في قصة موسى مع الإسرائيلي والقبطي: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ) وإنما الكلام في استغاثة القبوريين وغيرهم بأوليائهم وطلبهم منهم أموراً لا يقدر عليها إلا الله تعالى من عافية المريض وغيرها.