تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمن شأن من أقر لله تعالى بتوحيد الربوبية أن يفرده بتوحيد العبادة فإذا لم يفعل ذلك، فالإقرار الأول باطل؛ وقد عرفوا وهم في طبقات النار وقالوا: (تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) مع أنهم لم يسوّوهم به من كل وجه ولا جعلوهم خالقين ولا رازقين؛ لكنهم علموا وهم في قعر جهنم أن خلطهم الإقرار بذرّة من ذرات الإشراك في توحيد العبادة صيّرهم كمن سوّى بين الأصنام وبين رب الأنام، قال الله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) أي ما يقر أكثرهم في إقراره بالله وبأنه خلقه وخلق السموات والأرض إلا وهو مشرك بعبادة الأوثان؛ بل سمى الله الرياء في الطاعات شركاً مع أن فاعل الطاعة ما قصد بها إلا الله تعالى، وإنما أراد طلب المنزلة بالطاعة في قلوب الناس؛ فالمرائي عبَد الله لا غيره لكنه خلط عبادته بطلب المنزلة في قلوب الناس فلم تقبل له دعوة عبادة وسماها شركاً كما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً وأشرك فيه معي غيري تركته وشركه"، بل سمى الله التسمية بعبد الحارث شركاً كما قال تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا) فإنه أخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث سمرة أنه قال صلى الله عليه وسلم: "لما حملت حواء وكان لا يعيش لها ولد –طاف بها إبليس وقال: لا يعيش لك ولد حتى تسميه عبد الحارث فسمته فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره، فأنزل الله الآيات وسمى هذه التسمية شركاً وكان إبليس يسمى بالحارث" والقصى تسمى في الدار المنثور وغيره.

فصل

قد عرفت من هذا كله أن من اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو ملك أو جني أو حي أو ميت أنه ينفع أو يضر أو أنه يقرب إلى الله أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به والتوسل إلى الرب تعالى –إلا ما ورد في حديث فيه مقال في حق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أو نحو ذلك –فإنه قد أشرك مع الله غيره واعتقد ما لا يحل اعتقاده كما اعتقد المشركون في الأوثان فضلاً عمن ينذر بماله وولده لميت أو حي؛ أو يطلب من ذلك ما لا يُطلب إلا من الله تعالى من الحاجات من عافية مرضية أو قدوم غائبة أو نيله لأي مطلب من المطالب؛ فإن هذا هو الشرك بعينه الذي كان عليه عُبّاد الأصنام.

والنذور بالمال على الميت ونحوه والنحر على القبر والتوسل به وطلب الحاجات منه هو بعينه الذي كان يفعله الجاهلية، وإنما يفعلونه لما يسمونه وثناً وصنماً، وفعله القبوريون لما يسمونه ولياً وقبراً ومشهداً. والأسماء لا أثر لها ولا تغير المعاني ضرورة لغوية وعقلية وشرعية، فإن من شرب الخمر وسماها ماء، ما شرب إلا خمراً وعقابه عقاب شارب الخمر، ولعله يزيد عقابه للتدليس والكذب في التسمية.

عقيدة الموحدين والرد على الضلال والمبتدعين · الصفحة ٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عقيدة الموحدين والرد على الضلال والمبتدعينص ٧٧