فهذه سيرة الخلفاء الراشدين فيمن كان يقول لا إله إلا الله ثمّ صدر عنه ما ينافيها وينقض بنياتها فيها وإن كانوا من قبل ما بين معتذر ومتأول وتائب إنما الغرض التكفير وإن ذلك كفر وشرك وإن كانوا من قبل مسلمين.
وأما ما حصل بعد الخلفاء فمن ذلك حكمهم بقتل الجعد بن درهم وجهم ابن صفوان لتعطيلهم رب العالمين من الصفات التى نطقت بها الأديان ولقولهم: أن القرآن مخلوق وأن الأمر أنف حتى صار أهل الكلام من فرق الضلال وأفتى الشافعي بتحريمه.
وأما أتباع الأئمة الأربعة فأقاويلهم فى ذلك كثيرة وأسلوب أهل كل مذهب أن يجعلوا باباً مستقلاً يسمونه باب الردة، وباب حكم المرتد ويفسرونه بأنه المسلم الذى كفر بعد إسلامه، ثمّ يسردون المكفرات ويطيلون فيها المقالات:
ومن أوسعهم فى ذلك الحنفية.
وأما الحنابلة فحصرها بعضهم فى أربع مائة مسألة كل واحدة تنقض الإسلام وتلحق فاعلها بعبدة الأوثان.
والشافعية والمالكية لهم فى ذلك مباحث طويلة مثل ذلك.
ولابن حجر الهيثمى مؤلف سماه (الإعلام بقواطع الاسلام) وفى مؤلفه (الزواجر) نبذة من ذلك، ولابن المقري فى مؤلفاته نحو ذلك، وشارح المنهاج للنواوي أوضحوا تلك الحوالك. ونقل الامام ابن تيمية والشيخ ابن حجر الإجماع على كفر من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم، وبعض ما ذكروا فى الردة فى مسائل فرعية ليست من القواعد الاسلامية ولا من الستة الأصول الايمانية: فما ظنك بمسألة توحيد الله سبحانه بالعبادة التي هي أصل الأصول ومركز دائرة المنقول والمعقول والقطب الذي تدور عليه رحى الحاصل والمحصول، والأساس الذي عليه بناء مدينة العلم التي فيها النزول والحلول والصراط المستقيم الذي عليه السير والوصول.
فإن قيل: كيف يقاتلون وهم يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله ويفعلون كثيراً من شرائع الإسلام، وقد ورد في الصحيح: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله".
فالجواب: أنه ورد في صحيح البخاري: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها"، فجعل الغاية التي ينتهي إليها القتال الثلاثة الأمور المذكورة في الحديث لأن القول المجرد عن الاعتقاد والعمل غير مفيد وإلا فقد قال اليهود ذلك والمراد معناها لا مجرد لفظها وأن يقولها عن قوله عليه السلام ملتزمين معناها من النفي والإثبات عاملين بمقتضاها غير فاعلين ما ينافيها من الشرك.
فإن قيل: فكيف إذا كانوا يأتون بالثلاثة المذكورة لكنهم يصرفون بعض العبادة الى غير الله مثل الاعتقاد فى القبوريين ونحو ذلك.
فالجواب: أن القصص المذكورة آنفاً فيمن جرى عليه القتل فى زمن الخلفاء هو فيمن كان يفعل الثلاثة الأمور ويناقضها بما يوجب قتله.
فإن قيل: هؤلاء لا يعلمون ذلك وأنه ينافى حسن المسالك.
فالجواب: أن المقرر إنما هو تكفير من بلغته الدعوة وقامت عليه الحجة وأبى وعاند بعد العلم مصراً على شركه فمن حين ظهرت هذه الدعوة النجدية إلى توحيد الإلهية وجردت عليها السيوف فمن ردها وأباها فالكلام عليه واللوم متوجه اليه، وهي الآن بحمد الله قد غارت وطارت، والقرآن العظيم أكبر حجة على من بلغه والمسائل الواضحة التي يشترك فى معرفتها الخاص والعام مثل توحيد الله بالعبادة وأنه لا شريك له فيها يدل عليها القرآن دلالة صريحة معقولة للتالي والسامع مع هداية العقل إلى ذلك ودلالته عليه وفهم الحجة غير بلوغها، وللعلماء وأقوال فى هذا المجال وقد نص القرآن العظيم على ذم قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.