وأيضاً فإن هؤلاء الموحدين من أعظم الناس إيجاباً لرعاية جانب الرسول صلى الله عليه وسلم تصديقاً له فيما أخبر، وطاعة له فيما أمر، واعتناء بمعرفة ما بعث به، والتمييز بين ما روى عنه من الصحيح والضعيف والصدق والكذب، واتباع ذلك دون ما خالفه، عملاًُ بقوله تعالى: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ) وأما أولئك الضلال أشباه المشركين والنصارى فعمدتهم إما أحاديث ضعيفة أو موضوعة أو منقولات عمن لا يحتج بقوله، إما أن تكون كذباً عليه، وإما أن تكون غلطاً منه، إذ هي نقل غير مصدق عن قائل غير معصوم. وإن اعتصموا بشيء مما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم حرفوا الكلم عن مواضعه وتمسكوا بمتشابهه وتركوا محكمه، كما يفعل النصارى، وكما فعل هذا الضال: أخذ لفظ الاستغاثة –وهي تنقسم لاستغاثة الحي وبالميت والاستغاثة بالحي تكون فيما يقدر عليه وما لا يقدر عليه –فجعل حكم ذلك كله واحداً، ولم يكفه حتى جعل السؤال بالشخص من مسى الاستغاثة أيضاً، ولم يكفه ذلك حتى جعل الطالب إنما طلب من الله لا منه، فالمستغيث به مستغيث بالله، ثم جعل الاستغاثة بكل ميت من نبي وصالح جائزة، واحتج على هذه الدعوى العامة الكلية –التي أدخل فيها من الشرك والضلال ما لا يعلمه إلا ذو الجلال- بقضية خاصة جزئية كسؤال الناس للنبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة أن يدعو الله لهم وتوجههم إلى الله بدعائه وشفاعته، ومعلوم إن هذا الذي جاءت به السنة حق لا ريب فيه ولكن لا يلزم من ذلك ثبوت جميع تلك الدعاوى العامة وإبطال نقيضها، إذ الدعوى الكلية لا تثبت بدليل جزئي، لا سيما عند الاختلاف والتباين، وهذا كمن يريد أن يثبت حل جميع أنواع الملاهي لكل أحد أو التقرب بها إلى الله لكون جاريتين غنتا عند عائشة رضي الله عنها في بيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم عيد مع كون وجهه كان مصروفاً إلى الحائط لا إليهما، أو يحتج على استماع كل قول بقوله تعالى: (فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) ولا يدري أن القول هنا هو القول كما في قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) الآية وإلا فمُسلّم لا يسوغ استماع كل قول، ونهى الله عز وجل عن الجلوس مع الخائضين في آياته، وخوضهم نوع من القول فقال تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا) الآية، وقال: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ) الآية، وقال تعالى: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً) وقال تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ) الآية.
وهذا الضال يجوز عنده أن يستغاث بالرسول في كل ما يستغاث بالله على معنى أنه وسيلة من وسائل الله تعالى في طلب الغوث، وهذا عنده ثابت للصالحين، وهو ثابت عند هذا الضال بعد موته ثبوته في حياته لأنه عند الله في مزيد دائم لا ينقص جاهه، فدخل عليه الخطأ من وجوه:
(منها) أنه جعل المتوسل به بعد موته في الدعاء مستغيثاً به، وهذا لا يعرف في لغة أحد من الأمم لا حقيقة ولا مجازاً مع دعواه الإجماع على ذلك، فإن المستغاث به هو المسؤول المطلوب منه لا المسؤول به.
(الثاني) ظنه أن توسل الصحابة به في حياته كان توسلاً بذاته لا بدعائه وشفاعته، فيكون التوسل به بعد موته كذلك، وهذا غلط، لكنه يوافقه طائفة من الناس، بخلاف الأول فإني ما علمت أحداً وافقه عليه.