وقد وقع في هذا النوع كثير من الشيوخ الذي لهم نصيب وافر من الدين والزهد والعبادة، لكن لعدم علمهم بحقيقة الدين الذي بعث الله به رسوله طمعت فيهم الشياطين حتى أوقعوهم فيما يخالف الكتاب والسنة، وقد جرى لغير واحد من أصحابنا المشايخ يستغيث بأحدهم بعض أصحابه فيرى الشيخ قد جاء في اليقظة حتى قضى ذلك المطلوب، وإنما هي شياطين تتمثل للمشركين الذين يدعون غير الله، والجن بحسب الإنس: فالكافر للكافر والفاجر للفاجر والجاهل للجاهل، وأما أهل العلم والإيمان فاتباع الجن لهم كاتباع الإنس يتبعونهم فيما أمر الله تعالى به ورسوله، وقد حدثني بعض الثقات عن هذا الشخص –يعني ابن البكري الذي جوز في كتابه الاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يستغاث بالله –أنه كان يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم علم مفاتيح الغيب التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: "خمس لا يعلمها إلا الله: إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير" وأظنه ذكر عنه أنه قال: علمها بعد أن أخبر أنه لا يعلمها إلا الله.
وآخر من جنسه يباشر التدريس وينسب إلى الفتيا كان يقوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ما يعلمه الله ويقدر الله عليه، وأن هذا السر انتقل بعده إلى الحسن، ثم انتقل في ذرية الحسن إلى الشيخ أبي الحسن الشاذلي، وقالوا: هذا مقام القطب والغوث الفرد الجامع.
وكان شيخ آخر معظم عقد أتباعه يدعي هذه المنزلة ويقول إنه المهدي الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم، وإنه يزوج عيسى بابنته، وأن نواصي الملوك والأولياء بيده: يولي من يشاء، ويعزل من يشاء. وإن الرب يناجيه دائماً، وإنه الذي يمد حملة العرش وحيتان البحر. وقد عزرته تعزيراً بليغاً في يوم مشهود بحضرة من أهل المسجد الجامع يوم الجمعة بالقاهرة، فعرفه الناس وانكسر بسببه أشباهه من الدجاجلة.
ومن هؤلاء من يقول: قول الله سبحانه وتعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً، لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يسبح بكرة وأصيلاً، ومنهم من يقول: نحن نعبد الله ورسوله، فيجعلون الرسول معبوداً. ومنهم من يأتي قبر الميت الرجل أو المرأة الذي يحسن الظن لنفسه فيقول: اغفر لي وارحمني ولا توقفني على زلة، ونحو هذا الكلام، إلى أمثال هذه الأمور التي يتخذ فيها المخلوق إلهاً.
ولما استقر هذا في نفوس عامتهم نجد أحدهم إذا سئل عمن ينهاهم: ما يقول هذا؟ فيقول: فلان عنده مائم إلا الله. لما استقر في نفوسهم أنهم يجعلون مع الله إلهاً آخر. وهذا كله وأمثاله وقع ونحن بمصر.