ولهذا فوجود الله كامل ذاتي ( بمعنى أنه موجود لذاته لا لعلة مؤثرة فيه ، ومن خصائص الوجود الذاتي أنه لا يقبل العدم ، وأما وجود ما عداه فوجود ناقص وتبعي ، يمعنى أنه مستمد من غيره ، وأنه متوقف على القوة الموجدة له ) (1).
(( وعقيدة ( الألوهية ) ، عقيدة وظيفتها خلق الإِيمان ، وإشعال وقده الشوق والحب لذات الله ، وإثارة عواطف الإِجلال والإِكبار له ، وعقيدة هذا شأنها وخطرها ، وتلك وظيفتها وعملها ، يجب أن تبقى بحيث تكون قادرة على أن تمد الإِنسان بهذه المعطيات التي تجعل لله ما يجب أن يكون له ، من تقديس وإجلال ، ولن تحقق هذا المعنى إلا إذا ظلت متأبية عن أن تنزل إلى عالم الحس )) (2).
وبسبب ذلك فإن الذي يرجح الإيمان في القلوب ، ويحتفظ به حيا في النفوس ، هو هذا الحاجز الذي يحجز الناس من مشاهدة الله .
ذلك أن الإنسان يهدف بتقديسه لله إلى حقيقة خارجة عن نطاق الأذهان ، وإن كانت تعبر عنها الأذهان ، فإنها في هذا التعبير تشير إلى ذات مستقلة قائمة بنفسها ، ليست مجرد عوض من الأعراض أو لقب من الألقاب .
ثم إن هذا التقديس ليس تقديسًا لذات أيا كانت ، وإنما هو تقديس لذات لها صفات خاصة ، وأهم مميزاتها أنها ليست مما يقع عليه حس الإنسان ، ولا مما يدخل في دائرة مشاهداته الدنيوية ، وإنما هي شيء غيبي لا يدركه إلا بعقله ووجدانه )) (3).
وكيف تستطيع حواس الإِنسان المحدودة التي تدور في مجال محدود من مجالات الوجود المحسوس ، أن تحيط بذات الله لو تجلي لها ؟
وكيف تستقيم حياة الإِنسان ، وهو يرى الله – عيانا – وهو قائم عليه ؟
وكيف يكون سلوك الناس وهم يشهدون الله شهودًا صريحًا محسوسًا في كل زمان ومكان ؟
(1) 196) د . محمد سعيد رمضان البوطي : كبرى اليقينيات الكونية ، ص 93.
(2) 197) عبد الكريم الخطيب : الله ذاتًا وموضوعا ، ص 315.
(3) 198) محمد عبد الله دراز : الدين ، ص 41.