تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبهذا يتبين عدم صحة استخدام المثال السابق، والذي استدل به الحبشي ضمن حال كون الشخص متأولاً باجتهاده في فهم الشرع بحيث لا يكفر المتأول(1)، وذلك أن المرتدين لم يتأولوا أمراً مبهماً غير معلوم بالنصوص الشرعية قطعية الثبوت، وإنما أنكروا أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، ويتحدث ابن تيمية -رحمه الله- عن استثناءات في تكفير المجتهد فيقول: "ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة"(2)، وأهل الردة أقيمت عليهم الحجة بالقرآن والسنة وأقوال الصحابة وبهذا يثبت كفرهم؛ ويقرر ابن تيمية -رحمه الله- مذهب أهل السنة والجماعة في عدم تكفير أهل القبلة بذنب إلا في بعض الأمور، كأن "يكفر بعدم اعتقاد وجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وعدم تحريم المحرمات الظاهرة المتواترة"(3)، وأي بيان أوضح من نصوص القرآن والسنة في وجوب الزكاة.

ومما سبق بيانه يظهر أن الحبشي فتح باب الاجتهاد على مصراعيه للجميع، وذلك من خلال عدم وضع ضوابط لهذا الاجتهاد بحيث جعله مطلقاً لجميع الناس غير مقيد وهذا مخالف لما عليه السلف، لأن الاجتهاد يقتصر على ما هو غير معلوم من الدين بالضرورة، وفيما لم يثبت قطعيته، بالإضافة إلى ذلك لا بد من توفر شروط في المجتهد تؤهله للاجتهاد: كمعرفة الناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، والعام والخاص، ودقائق اللغة، وألا يكون للأهواء مجال في الاجتهاد إلى غير ذلك مما هو مذكور في كتب الأصول. وأيضاً لم يوفق في عرض المثال والاستدلال به في هذا الموضع، لأن المرتدين الذين منعوا الزكاة في عهد أبي بكر -رضي الله عنه- ثبت خروجهم من الإسلام بعد فعلهم هذا، فكيف يجعلهم الحبشي متأولين في فهم الشرع وإنما هم منكرون لأمور ثبتت بالنصوص القطعية؛ وشتان بين من ينكر ويجحد، وبين من يجتهد ويتأول؟‍‍‍!. ‍

(1) - الصراط المستقيم للحبشي ص14 بتصرف.

(2) - مجموعة الفتاوى لابن تيمية 3/147.

(3) - المصدر السابق 20/53.

عقيدة الأحباش الهررية ـ عرض ونقد · الصفحة ٦٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عقيدة الأحباش الهررية ـ عرض ونقدص ٦٦٧