تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويرد على الحبشي بأن النص الذي استدل فيه على وصف معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- بالبغي وهو قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "إن عماراً تقتله الفئة الباغية"(1)، وعلماء السلف وضحوا المقصود بهذا النص النبوي، فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا النص: "ليس نصاً في أن هذا اللفظ لمعاوية وأصحابه، بل يمكن أنه أريد به تلك العصابة التي حملت عليه حتى قتلته، وهي طائفة من العسكر، ومن رضى بقتل عمار كان حكمه حكمها. ومن المعلوم أنه كان في المعسكر من لم يرض بقتل عمار، كعبد الله بن عمرو بن العاص، وغيره، بل كل الناس كانوا منكرين لقتل عمار حتى معاوية، وعمرو"(2)، وبهذا يسقط الاستدلال بهذا النص في أن معاوية باغٍ.

وبعد هذا العرض لما وقع بين الصحابيين الجليلين علي ومعاوية -رضي الله عنهما- لا بد أن يُعلم أن الأمة تقع فيها أمور بالتأويل سواء في دمائها وأموالها وأعراضها(3)، وما حصل بين الصحابيين الجليلين من جنس ذلك، وبالتالي لا يجوز للحبشي وأمثاله من مبغضي الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان أن يصمه بالبغي والتعدي على حرمات الله وحدوده، بل كان ينبغي على الحبشي أن يكون موقفه مما حصل بين الصحابيين الجليلين علي ومعاوية -رضي الله عنهما- كموقف السلف الصالح الذي يمثله قول الإمام عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- حينما سُئل عن حقيقة تلك الفتنة، ومن المحق فيها ومن المخطئ فقال مستهجناً على السائل سؤاله: "تلك دم كَفّ الله عنها يدي، أريد أن ألطخ بها لساني؟!"(4)، وكأن لسان حاله -رحمه الله- يقول: تلك فتنة طهر الله منها سيوفنا وأيدينا، فالأولى أن نطهر منها ألسنتنا.

(1) - صحيح البخاري،كتاب الجهاد والسير،باب مسح الغبار عن الرأس في سبيل الله،ح2812، 3/272-273.

(2) - مجموعة الفتاوى لابن تيمية 35/48.

(3) - انظر: منهاج السنة لابن تيمية 4/452.

(4) - صون المنطوق للسيوطي ص134.

عقيدة الأحباش الهررية ـ عرض ونقد · الصفحة ٤٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عقيدة الأحباش الهررية ـ عرض ونقدص ٤٧٣