ومما سبق ذكره يتبين أن الحبشي يقول بمقالة الأشاعرة في الكسب، ولقد نقل ابن القيم -رحمه الله- ما لخصه متأخرو الأشاعرة في الكسب بأن "الكسب عبارة عن الاقتران العادي بين القدرة المحدثة والفعل، فإن الله سبحانه أجرى العادة بخلق الفعل عند قدرة العبد وإرادته لا بهما فهذا الاقتران هو الكسب"(1)، ثم يذكر ابن القيم -رحمه الله- ما استقر عليه الإمام الأشعري في الكسب "إن القدرة الحادثة لا تؤثر في مقدورها، ولم يقع بها المقدور ولا صفة من صفاته، بل المقدور بجميع صفاته واقع بالقدرة القديمة، ولا تأثير للقدرة الحادثة فيه"(2)، ويقول أيضاً: "وتابعه على ذلك عامة أصحابه"(3).
ومما ذكره الحبشي في الكسب يتبين أنه جعل أفعال العباد هي كسب العبد لا فعله، ومرة جعلها بين فاعلين أو قدرتين -وهذه حيرة وقع فيها الحبشي كما وقع فيها من سبقه من متكلمي الأشاعرة- وهذا ما بينه ابن تيمية بقوله: "ولكن طائفة من أهل الكلام -المثبتين للقدر- ظنوا أن الفعل هو المفعول، والخلق هو المخلوق فلما اعتقدوا أن أفعال العباد مخلوقة مفعولة لله، قالوا: فهي فعله. فقيل لهم مع ذلك: أهي فعل العبد؟ فاضطربوا فمنهم من قال: هي كسبه لا فعله، ولم يفرقوا بين الكسب والفعل بفرق محقق، ومنهم من قال: بل هي فعل بين فاعلين. ومنهم من قال: بل الرب فعل ذات الفعل، والعبد فعل صفاته"(4).
(1) - شفاء العليل لابن القيم ص234.
(2) - المصدر السابق ص235.
(3) - المصدر نفسه ص235.
(4) - مجموعة الفتاوى لابن تيمية 2/78.