... وأما وقوع عذاب القبر عند الحبشي على الكفار فقد أثبته وهذا لا خلاف فيه، وأما على عصاة المسلمين من أهل الكبائر الذين ماتوا قبل التوبة فيصنفهم الحبشي إلى صنفين: "صنف يعفيهم الله من عذاب القبر، وصنف يعذبهم ثم ينقطع عنهم العذاب ويؤخر لهم بقية العذاب إلى الآخرة "(1)، ويلاحظ على الحبشي أنه يذكر هذا التقسيم على التأكيد دون تعليق الأمر بمشيئة الله دون تعليق الأمر بصيغة الجزم بل تعليقه بعفو الله كما ورد عن ابن حجر العسقلاني، بخلاف بعض علماء أهل السنة والجماعة أمثال الإمام ابن حجر عندما سُئل: هل يُعذب العاصي في قبره إلى يوم القيامة؟ فأجاب "أن ذلك يختلف باختلاف كبر المعصية وصغرها، وحصول العفو عن بعض الموتى دون بعض، فقد لا يُعذب بعض العصاة، وقد لا يستمر التعذيب على بعض العصاة وقد يرفع عن بعض"(2)، وهذا امتنان من الله على عبيده لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ [النساء:48]، وخاصة أن هناك نصوصاً تبين أن مرتكب الكبيرة من الذين يعذبون، قال تعالى: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ [النساء:31]، وقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ﴾ [النجم:32]، وجاء في الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قوله: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر"(3)، ولهذا كان الأولى بالحبشي
(1) - الصراط المستقيم للحبشي ص84.
(2) - فتاوى الحافظ لابن حجر العسقلاني (قسم العقيدة)، تحقيق ودراسة: محمد تامر ص44-45.
(3) - صحيح مسلم،كتاب الطهارة،باب فضل الوضوء والصلاة عقبه،ح233، 1/209،سنن الترمذي،كتاب أبواب الصلاة،باب ما جاء في فضل الصلوات الخمس،ح214،1/418 (بنحوه)، قال أبو عيسى: حديث حسن صحيح.