فليس مدح بشر بن مروان في هذا البيت من حيث إنه جالس في هذا البلد، إنما المدح له لأنه استولى أي قهر وهيمن وسيطر على العراق، لأن الجلوس في العراق يشترك فيه الإنسان الشريف، والإنسان القوي، والإنسان الدنيء، والإنسان الضعيف، فالمدح إنما يكون بصفة يمتاز به الممدوح عما لا يكاد يدانيه ولا يساويه ولا يكافئه غيره، فلا بد أن يفهم من الاستواء القهر والاستيلاء، إذ هو أشرف معاني الاستواء ومما يليق بالله تعالى لأنه وصف نفسه بأنه قهار، فلا يجوز أن يترك ما هو لائق بالله تعالى إلى ما هو غير لائق بالله تعالى وهو الجلوس والاتصال والاستقرار"(1)، ويقول الحبشي أيضاً في الاستواء في قوله تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه:5]: "فهذه الآية، السلف لم يشتغلوا بتأويلها بتعيين معنى خاص، إنما قالوا: استوى استواء يليق به مع تنزيهه عن صفات الحوادث، ونفوا الكيفية عن الله تعالى"(2)، ويقول أيضاً في الاستواء: "فتحمل لفظة الاستواء على القهر"(3)، وأحياناً يجعل الحبشي الاستواء بمعنى الاستيلاء والقهر فيقول: "… استوى أي قهر، ومن قال استولى فالمعنى واحد أي قهر"(4)، ومرة أخرى يجمع بين الأقوال السابقة فيقول: "آية الاستواء تحمل على القهر أو يقال استوى استواءً يليق به، أو يقال: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه:5]، بلا كيف، أما من أراد التأويل التفصيلي فيقول: قَهَرَ ويجوز أن يقول استولى"(5)، وبالإضافة إلى الأقوال السابقة يقول الحبشي بمعنى جديد للاستواء وهو العلو فيقول: "والاستواء قد يراد به أيضاً العلو، والعلو على وجهين: علو مكان، وعلو معنى أي علو قدر، والذي يليق
(1) - انظر: إظهار العقيدة السنية للحبشي ص199-200.
(2) - صريح البيان للحبشي ص45، انظر: الصراط المستقيم للحبشي ص47.
(3) - الصراط المستقيم للحبشي ص47، انظر: الشرح القويم للحبشي ص159.
(4) - الشرح القويم للحبشي ص176.
(5) - المصدر السابق ص181.