وأما القول الثاني: أن الله أسمع جبريل كلامه ليس بحرف وصوت فقد تم مناقشته فيما سبق، وبذلك يتبين خطأ ما ذهب إليه الحبشي، والصحيح ما عليه السلف أن الله أسمع جبريل القرآن بصوت وحرف.
أن الحبشي يحاول أن يفرق بين الكلام المنزل مع جبريل وبين كلام الله الذاتي(1)، ويدعي الحبشي: "إن القراءة غير المقروء والتلاوة غير المتلو"(2)، ولهذا يرى الحبشي: "أن القرآن بمعنى اللفظ المنزل المقروء هو مقروء جبريل وليس مقروء الله تعالى"(3)، ويبين الحبشي هذا بقوله: "أن القرآن يقال فيه: أنه مكتوب في مصاحفنا أي بأشكال الكتابة وصور الحروف الدالة عليه، محفوظ في قلوبنا أي بالألفاظ المتخيلة مقروء بألسنتنا أي بالحروف الملفوظة المسموعة، مسموع بآذاننا غير حال فيها، أي أن الكلام الذاتي ليس حالاً في المصاحف ولا في القلوب، ولا هو المسموع بآذاننا، إنما المكتوب بأشكال الحروف والمحفوظ في القلوب والمقروء بالألسن والمسموع بالآذان هو اللفظ المنزل لا عين الصفة القديمة فإنها معنى قائم بذات الله"(4)، ويرجع هذا التخبط لدى الحبشي لاعتبار كلام الله معنىً ذاتياً قائماً بنفسه، ولكن الذي عليه سلف الأمة خلاف ما قاله الحبشي فإنه: "تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وهو يتكلم به بصوت يسمع، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديماً"(5).
(1) - انظر: الصراط المستقيم للحبشي ص32-33، شرح الصفات للحبشي ص31-33.
(2) - إظهار العقيدة السنية للحبشي ص99.
(3) - الشرح القويم للحبشي ص129.
(4) - المطالب الوفية للحبشي ص81.
(5) - شرح الطحاوية لابن أبي العز ص169.