الكلام: "هو صفة أزلية أبدية، هو متكلم بها آمرٌ، ناهٍ، واعدٌ، متوعد ليس ككلام غيره، بل أزلي بأزليةِ الذات، لا يشبه كلام الخلق وليس بصوت يحدث من انسلال الهواء أو اصطكاك الأجرام، ولا بحرفٍ ينقطع بإطباق شفةٍ أو تحريك لسانٍ… وكلامه تعالى الذاتي ليس حروفاً متعاقبة ككلامنا. وإذ قرأ القارئ منا كلام الله فقراءته حرف وصوت ليست أزلية"(1)؛ ثم يتحدث الحبشي عن مسألة لها صلة وثيقة بكلام الله، وهي إطلاقات القرآن فيقول في ذلك: "القرآن له إطلاقان: يطلق على اللفظ المنزل، وعلى الكلام الذاتي الأزلي الذي ليس هو بحرفٍ وصوت، ولا لغة عربية ولا غيرها. والحاصل أنه إن قصد بكلام الله اللفظ المنزل الذي بعضه بلغة العرب، وبعضه بالعبرانية، وبعضه بالسريانية فهو حادث مخلوق، فالأول شهر بالقرآن والثاني بالتوراة والثالث بالإنجيل"(2)، وفي المعنى نفسه يتحدث الحبشي عن كلام الله فيقول: "ويُعبر عنه بالقرآن وغيره من الكتب المنزلة. وليست هذه الكتب المنزلة عين الكلام الذاتي، بل هي عبارات عنه… فالقرآن يراد به الكلام الذي هو معنى أي صفة قائمة بذات الله، ويطلق على اللفظ المنزل على سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، قال الله تعالى: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴾ [الشعراء:193-194]، وليس الكلام الذي هو معنى قائم بالله، المسمى الكلام النفسي لكونه قائماً بذات الله أي بنفسه أي ذاته. فالقرآن بمعنى اللفظ المنزل هو الذي يكتب بأشكال الحروف، ويسمع بالآذان، ويحفظ في الأذهان بالألفاظ المتخيلة،ويقرأ باللفظ، أما الكلام الذاتي فلا يحل في المصاحف، لكنه يطلق على كلا الأمرين أنه كلام الله فهو باعتبار إطلاقه على الكلام النفسي حقيقة عقلية شرعية. أما باعتبار إطلاقه على اللفظ
(1) -الصراط المستقيم للحبشي ص32،انظر:الشرح القويم للحبشي ص123-124،بغية الطالب للحبشي ص21
(2) - الصراط المستقيم للحبشي ص32-33.