تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نريد أن نقول عن الكاتب المسرحي الذي نريده، على ضوء هذا النموذج التطبيقي من أعمال تشيكوف: إنه الكاتب الذي يجب أن يعيش واقع حاضره وماضيه عن طريق الرؤية الفنية اللاقطة، ويعيش واقع مستقبله عن طريق الرؤية العقلية المتصورة. ولا جدال في أن هذه المطالب، لكي تصل إلى مرحلة عملية من التحقيق، تحتاج من روافد الثقافة وقيم الأخلاق، ما يهيئ للكاتب أن يكون صاحب موقف، أو صاحب وجهة نظر عقائدية، تحدد اتجاهه الفكري والخلقي من مشكلات المجتمع وقضية الإنسان.

وما دمنا في معرض الحديث عن أخلاقية الموقف الفكري لكاتب المسرح، فإن سارتر - على المستوى النموذجي للدراما الحديثة - يطالعنا كمسرحي ممتاز؛ إننا نذكر له - على سبيل المثال - موقفه من احتلال النازية لوطنه في «موتى بلا قبور»، وموقفه من اضطهاد الرجل الأمريكي الأبيض للزنوج في «البغي الفاضلة» أو «العاهر الحفية» إذا أردنا الدقة في الترجمة. في «موتى بلا قبور» يضعنا سارتر في الطرف المقابل من سلوك أبطاله، ليجعلنا نواجه - في حساسية فائقة وتوتر بالغ - وجهة نظره الفكرية فيما يجب أن يكون عليه موقفنا من عدو غاصب؛ معنى ذلك أن تبدأ حركة المقاومة، وقد بدأت هذه الحركة في عمله المسرحي، بأصدائها المنعكسة على عدد من المجاهدين، الذين وقعوا أسرى في أيدي الألمان؛ إن «لوسي» بطلة المسرحية يحيلها سارتر إلى واجهة عرض ضخمة لموقفه الاتجاهي الصارم، بالنسبة إلى مفهوم البطولة النفسية في لحظة لقاء طويل ومرهق، بين سطوة المنتصر وكبرياء المهزوم. إن «لوسي» تعرض علينا - بالنيابة عن سارتر - كل المقومات السلوكية لهذه البطولة، لقد عرضوا كيانها الجسدي والنفسي لأبشع ألوان التعذيب: الضرب المبرح وهتك العرض، ومع ذلك فقد عجزوا عن أن يشيعوا في هذا الكيان الصامد معنى الذل، لقد كانت تمارس تجربة مرة، ولكنها كانت بالنسبة إلى فم وجودها الإنساني سائغة المذاق. مضمون هذه التجربة هو الكبرياء؛ كبرياء الألم؛ ولكي نمارس هذه التجربة بنجاح، يجب أن نفرض على أنفسنا لونا من الحقد الانطوائي المترفع. إن الذين يريدون أن يخربوا في الإنسان كل ما هو جميل وشريف وقيم، ينتظرون اللحظة التي تنبثق منها رغم أنف الإرادة بادرة من الضعف؛ إنها بالنسبة إليهم لحظة الشعور بهزيمتنا وانتصارهم! إننا في قبضة أيديهم، هذا صحيح؛ والأصح منه أنهم أيضا في قبضة أيدينا! إنهم لن يطلقوا سراح حريتنا وعلينا أن نعاملهم بالمثل، ألا نطلق سراح حريتهم؛ حريتهم في أن يرونا يوما وقد عرفنا الذل والخضوع! إنهم أسرانا، تماما كما نحن أسراهم؛ بهذا نشعرهم أن وجودنا شيء حقيقي ومجسم، ونشعر أنفسنا بأن وجودهم لا وجود له! ومن الواجب أن ننتصر على أنفسنا، وذلك بأن نلغي من قائمة عذابنا معنى الإحساس بالألم؛ هذا الألم يجب أن ينهزم، هذا هو المفهوم البطولي للتجربة، تجربة الكبرياء!

تقول «لوسي» لأخيها الصغير، وهي تشير إلى موقفها ممن هتكوا عرضها، ثم وهي تحذره من الاعتراف للعدو بأسرار حركة المقاومة تحت ضغط الإرهاب: «إنهم لم يلمسوني؛ لم يلمسني أحد ... لقد تحولت إلى قطعة من الحجر؛ ولم أشعر بأيديهم وهي ترغمني؛ كنت أتطلع إلى وجوههم وأفكر في أن شيئا لم يحدث؛ كلا، لم يحدث شيء؛ لقد كنت في النهاية أذيقهم طعم الخوف؛ إنك إذا اعترفت يا «فرانسوا» فإنهم يكونون في الواقع قد هتكوا عرضي!»

ويقول لها حبيبها «جان» أحد أبطال المقاومة: «إنني ألمح الجفاف في عينيك، وأدرك أن قلبك يحترق، ولكن لا يبدو عليك أثر للألم، ولا بقطرة من دموع، لقد استحال كل شيء فيك من فرط التوهج إلى بياض؛ ينبغي أن تتألمي من كونك لا تحسين بالألم! لقد فكرت كثيرا فيما تعرضت له من تعذيب، ومع ذلك فما كنت أتصور أن التعذيب يمكن أن يكسبك كل هذه الفظاعة من كبرياء الألم!»

كلمات في الأدب · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ٣