تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا نقصد بهذه التصورات أن يرسم لنا الكاتب المسرحي تخطيطات مفصلة لذلك الواقع المقبل الذي يمكن أن يتطور إليه حاضر الشخصيات؛ لأن العمل المسرحي يجب أن يكون بعيدا كل البعد عن طابع الدراسة الاجتماعية أو الاقتصادية من جهة؛ ولأن المقصود من جهة أخرى هو نوع من التخيل، الذي لا يمكنه أن يتمثل الأشياء البعيدة بكل جزئياتها الدقيقة، وإنما يتمثلها في هيكلها الخارجي العام أو ملامحها الشكلية البارزة. إننا نستطيع في العمل المسرحي أن نجعل المتفرج «يرى» الماضي والحاضر، أما المستقبل فنستطيع أن نجعل نفس المتفرج «يتخيله»؛ فكل ما هو مدرج في قائمة الوجود المادي الذي يعاش كانفعال وتجربة، نطالب الكاتب المسرحي بأن «ينقله» إلينا كواقع مرئي ومحس، وكل ما يتضمن قابلية الإدراج في نفس القائمة، ويحتمل منطق النتائج المترتبة على المقدمات، نطالب هذا الكاتب بأن «يرسبه» في نفوسنا كواقع تصوري أو متخيل. وعملية الترسيب هنا - كما تفرضها مقتضيات المسرح - يجب أن تتم عن طريق التركيز والإيحاء، لا عن طريق التفصيل والتفسير، وذلك من خلال الاتجاه النفسي لسلوك الشخصيات.

أنطون تشيكوف في «بستان الكرز»، يقدم إلينا النموذج التطبيقي لهذا المسرح الذي نريده؛ يقدم إلينا حاضر الطبقة الأرستقراطية، بكل ما فيه من تفاهة وسطحية وانحلال، وهو يرينا هذا الحاضر من وراء لمسات تهكمية موجعة، نستخلصها من خطوط رسم كاريكاتيري لاذع. وعلى امتداد هذه الخطوط التحليلية المعبرة، تبدو هذه الطبقة وهي عاجزة عن التكيف مع الواقع؛ لأنها لا تفهم - أو لا تريد أن تفهم - منطق هذا الواقع؛ وتتعرج خطوط الكاريكاتير لنخرج من هذه التعارج بأن هذه الطبقة لا تصلح لشيء، وأن حاضرها يؤذن بالأفول. ومن نافذة الحاضر يسمح لنا أنطون تشيكوف، بأن نلقي نظرة ساخطة على ماض بشع؛ نلقيها ونحن ننصت إلى «تروفيموف» وهو يتحدث إلى «آنيا» الأرستقراطية المترفة، ويذكر بأن آباءها وأجدادها كانوا من ملاك الرقيق، وأن وجوه هؤلاء الأرقاء وأصواتهم ترنو إليها، وتصرخ من أعماق كل ثمرة وكل ورقة وكل شجرة في بستان الكرز. إن أهلها - طوال حياتهم - يعيشون عالة على وجود الغير، على وجود هؤلاء الرقيق؛ وهم، هي وأمها وخالها، عاجزون عن فهم أوضاعهم القائمة على هذه الحقيقة، فإذا أرادت أن تعيش معه في الحاضر فعليها أن تنزع من فوق جدران وجودها صورة ماضيها الكريه؛ يجب أن تضع لهذا الماضي حدا وأن تتخلص منه كل الخلاص. إن هناك مستقبلا سعيدا ينتظرهما، وإذا لم يقدر لكل منهما أن يعيش ليراه، فسيعيش غيرهما ليرى هذا المستقبل، ويجني ثماره.

هكذا يقوم المسرح التشيكوفي بعملية ربط هادفة بين الماضي والحاضر والمستقبل. وهو هنا لا يقدم إلينا تخطيطا مفصلا لمجتمع الغد كما تخيله تشيكوف، وإنما قدم إلينا - بواسطة الإيحاء المركز - مضمون الصورة العامة لواقع هذا المجتمع، عبر تلك الرؤية العقلية البعيدة. ومن الملاحظ أن بعض أبطال تشيكوف، ممن كانوا يعيشون أحلام الغد وتصورات المستقبل، تنقصهم إيجابية السلوك وقوة الإرادة؛ كانوا في حدود رسمه لهم، سلبيين في مواجهة وجودهم القابل للتغيير والتطور. ونفس الملاحظة تقودنا إلى ملاحظة أخرى، بالنسبة إلى موقف تشيكوف من سلبية أبطاله؛ وهو أنه كان يسخر من هذه السلبية المتمثلة في عجزهم عن تحقيق ما يتطلعون إليه من أحلام. من هذا الموقف الاتجاهي يمكننا أن نلتقط مفتاح قضية من قضايا الأدب والنقد، خلاصتها كما أوضحنا ذلك من قبل وفي غير هذا المكان، أن الكاتب يستطيع أن يكون إيجابيا من خلال السلوك السلبي لأبطاله القصصيين أو المسرحيين، حين يصب هذا السلوك في قالب من العجز المخفق، الذي يثير فينا دوافع الإنكار والسخط، والذي يوحي إلينا بأن الكاتب يشاركنا نفس الشعور، ويقف معنا على نفس الصعيد الالتزامي المعترض؛ المهم هو موقف الكاتب من سلوك أبطاله، موقفه من الناحية الفنية والالتزامية، وعند هذه النقطة تتحدد مسئوليته أمام القارئ والناقد.

كلمات في الأدب · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ٢