هكذا يرافق نجيب محفوظ موكب التطور الحياتي، للمجتمع المصري من مختلف زواياه، وما تزال الروافد الجانبية في العمل الروائي، تصب في المجرى الكبير؛ فشخصية سوسن هي الامتداد التطوري لشخصية أمينة. لقد حطمت المرأة المصرية قضبان السجن وخرجت إلى الحياة؛ من البيت إلى الشارع، ومن رق الزوجية إلى حرية الإرادة، ومن جمود الانطواء إلى حركة الانطلاق، ومن سلبية الوضع الاجتماعي إلى إيجابية المشاركة في توجيه المصير، ونظرة الرجل إلى المرأة تتفاوت هي الأخرى على مدار الأجيال: ينظر إليها أحمد عبد الجواد في صورة أمينة، كمصنع آدمي لإنتاج النسل، وكجارية تناديه دائما بكلمة «يا سيدي»، تجسيما للعبودية المعترفة بالاستبداد كحق مشروع! وينظر إليها في صورة زنوبة، وزبيدة وجليلة كنموذج ترفيهي في مجال العلاقة الجنسية؛ وينظر إليها فهمي في صورة مريم جارته الجميلة، التي تبلغ من فهم الحياة مرحلة تتساوى فيها مع أختيه خديجة وعائشة، وتتفوق فيها نسبيا على أمه؛ وينظر إليها كمال في صورة عايدة، كنموذج للمستوى المعيشي الرفيع، والجمال الأرستقراطي الباهر والثقافة الفرنسية المتميزة، كرد فعل لحرمان بيئته الشعبية من كل هذه القيم المغرية! وينظر إليها أحمد شوكت في صورة سوسن، الفتاة المكافحة المستنيرة، التي تكسب قوتها بعرق الجبين، ولا تستمد فتنتها الأنثوية في نظره من جمال الوجه، كما يفعل الآخرون، وإنما تستمدها من جمال الفهم لمشكلة الحياة وقضية الإنسان!
وعلى ضوء الرؤية النقدية لواقعية نجيب محفوظ الإيحائية، نستطيع أن ننظر إليه وهو يتخذ موقفه، إلى جانب التطور بالنسبة إلى الأطراف المتقابلة، حتى لقد جعل كمال في نهاية «السكرية»، يتفاعل تفاعلا إيجابيا مع خطوات النضال الجديد. ونجيب في واقعيته لا يفرض الشخصية على الموقف، وإنما يفرض الموقف على الشخصية، بمعنى أنه يضع الشخصية في مستوى عقلي معين، يتحتم معه أن ترتبط بسلوك موقفي مناسب، وهذا ما نلاحظه على شخصياته في مختلف المواقف والمستويات؛ إن فرض الشخصية على الموقف عند كتاب الواقعية الأيديولوجية، ناتج من كون الموقف جاهز الإعداد مقدما في ذهن الكاتب، وأن الشخصية قد تكون غير جاهزة الوجود في الواقع الخارجي، ومن هنا نشعر أن الكاتب الأيديولوجي غالبا ما «يجوف» الشخصيات ليملأها بأفكاره الذاتية!
ومع ذلك فإن هذه الملحمة الروائية - كعمل فني يقف موقف الندية من أنضج الأعمال المماثلة في أدب الغرب - لا تخلو من بعض المآخذ، فنجيب محفوظ مثلا - وعلى الأخص في «بين القصرين» - يسرف أحيانا في رسم الأبعاد النفسية لبعض الشخصيات من خلال عملية السرد؛ وعيب هذه الطريقة أنها تطبع خط السير الحدثي بطابع البطء والرتابة!
إن الحركة بطيئة في بعض فصول الجزء الأول من هذه الرواية، ولو رسم نجيب تلك الأبعاد النفسية من خلال اللقطات الحديثة والموقفية، لرأينا تلك الحركة الجياشة، التي شملت الوجود الداخلي والخارجي للشخصيات في «قصر الشوق»، وبلغت الذروة في إبراز العنصر التجسيمي والتركيز لمختلف اتجاهات النسيج الروائي في «السكرية».
وهناك قطاعات عرضية قليلة، تخرج عن نطاق البعد الموضوعي الرئيسي للمشكلة في خطوطها العامة؛ وذلك حين يعمد نجيب إلى التفصيلات الجزئية، لما يدور أحيانا من أحداث ذاتية في الجو العائلي لآل شوكت، أو في جو المغامرات الجنسية لطبقة العوالم المغنيات، من أمثال زبيدة وجليلة زنوبة، أو في جو العلاقات البيئية والشعورية بين أحمد عبد الجواد وأصدقائه من طبقة التجار؛ لا تخلو عملية الالتقاط من الإسراف في تجميع كل الزوايا من أجل اكتمالية الصورة، وكنا نفضل لو لجأ نجيب إلى «الاختيار»؛ فاختيار الزاوية المعبرة قد تغنينا عن زوايا كثيرة، واختيار اللقطة الموحية قد تغنينا عن مجموعة كاملة من اللقطات!