وإذا ما انتقلنا إلى القطاع العرضي الذي نرى من خلاله كمال كرمز للأكثرية المسلمة، ورياض قلدس كرمز مقابل للأقلية المسيحية في المجتمع المصري - رأينا نجيب محفوظ يطالعنا بوجهة نظر موقفية لمشكلة الوضع الديني والقومي لهذه الأقلية، مع التزامية الصدق التاريخي في عرض جوانب المشكلة. يقول رياض لصديقه كمال: «إن الأقباط جميعا وفديون، ذلك أن الوفد حزب القومية الخالصة؛ القومية التي تجعل من مصر وطنا حرا للمصريين، على اختلاف عناصرهم وأديانهم. أعداء الشعب يعلمون ذلك؛ ولهذا كان الأقباط هدفا للاضطهاد السافر طوال عهد صدقي، وسيعانون ذلك منذ اليوم!» ويقول له كمال في دعابة: «ها أنت تتحدث أنت الذي لا تؤمن إلا بالعلم!» ويعقب رياض في حماسة: «إني حر وقبطي معا، أشعر في أحايين كثيرة بأن المسيحية وطني لا ديني، وربما إذا عرضت هذا الشعور على عقلي اضطربت ... ولكن مهلا، أليس من الجبن أن أنسى قومي! شيء واحد خليق بأن ينسيني هذا التنازع، ألا وهو الفناء في القومية المصرية الخالصة، كما أرادها سعد زغلول!» ويقول كمال وصدره يجيش بالعواطف: «لا تؤاخذني، فقد عشت حتى اليوم دون أن أصطدم بمشكلة العنصرية؛ فمنذ البدء لقنتني أمي أن أحب الجميع، ثم شببت في جو الثورة المطهر من شوائب التعصب، فلم أعرف هذه المشكلة.» ثم يسأله: «وكيف نستأصل مشكلة كهذه من الجذور؟» ويجيب رياض: «من حسن الحظ أنها ذابت في مشكلة الشعب كله، مشكلة الأقباط اليوم هي مشكلة الشعب؛ إذا اضطهد اضطهدنا، وإذا تحرر تحررنا!»
إن التزامية الصدق التاريخي هنا، تبدو لنا من خلال الواقع الاجتماعي الذي يصوره نجيب محفوظ بأمانة؛ ذلك لأن اضطهاد الأقباط في تلك الفترة بواسطة الدكتاتورية الحاكمة، وأشياعها من أبناء الرجعية الشعبية، كان بسبب الاتجاه السياسي، ولم يكن بسبب العقيدة الدينية، ولعل نجيب محفوظ يرمز إلى الوحدة الشعورية كرباط قومي بين الأكثرية المسلمة والأقباط، بتلك الصداقة الخالصة من التعصب بين كمال ورياض قلدس. وكل خلاف طائفي يمكن النظر إليه على ضوء الجانب الموقفي للكاتب، وهو جانب الدعوة إلى الفناء في القومية المصرية. ولقد اتسع الأفق المذهبي اليوم لهذه الدعوة، حتى شمل المفهوم الإنساني العام لمعنى «الفناء»، بالنسبة إلى القومية العربية!
وفي مجال الأسرة الصغيرة - أسرة شوكت - يدير نجيب محفوظ صراعا مذهبيا بين أحمد شوكت وأخيه عبد المنعم؛ إنه الصراع الذي شهده المجتمع المصري بين اتجاهين متناقضين، لكل منهما نظرته العقائدية الخاصة إلى تنظيم الحياة الاجتماعية على أسس معينة. ومن داخل هذا القطاع العرضي الجديد، نتابع خط السير الفكري لأحمد التقدمي المتطور، والخط الآخر المضاد الذي يتخذه عبد المنعم، كشعار اتجاهي للإخوان المسلمين؛ يقول عبد المنعم في معرض النقاش بينه وبين أحمد: «لسنا جمعية للتعليم والتهذيب فحسب، ولكننا نحاول فهم الإسلام كما خلقه الله، دينا ودنيا وشريعة ونظام حكم؛ ماذا تعرف عن الإسلام حتى تهرف بما لا تعرف؟!» ويرد أحمد بهدوء: «أعرف أنه دين، وحسبي ذلك، أنا لا أؤمن بالأديان.» ويتساءل عبد المنعم مستنكرا: «ألديك برهان على بطلان الأديان؟!» ويجيب أحمد بنفس الهدوء: «ألديك أنت برهان على حقيقتها؟!» ويعقب عبد المنعم محتدا: «عندي وعند كل مؤمن، ولكن دعني أسألك أولا كيف تعيش؟» ويقول أحمد باعتداد: «بإيماني الخاص، إيماني بالعلم وبالإنسانية وبالغد، وبما ألتزمه من واجبات ترمي في النهاية إلى تمهيد الأرض لبناء جديد!» ويصيح عبد المنعم في غضب: «لقد هدمت كل ما الإنسان إنسان به!» ويواصل أحمد انطلاقه الجدلي: «بل قل إن بقاء عقيدة أكثر من ألف سنة ليست آية على قوتها، ولكن على خطة بعض بني الإنسان؛ ذلك ضد معنى الحياة المتجددة؛ ما يصلح لي وأنا طفل يجب أن أغيره وأنا رجل؛ طالما كان الإنسان عبدا للطبيعة والإنسان، وهو يقاوم عبودية الطبيعة بالعلم والاختراع، كما يقاوم عبودية الإنسان بالمذاهب التقدمية؛ ما عدا ذلك فهو نوع من الفرامل الضاغطة على عجلة الإنسانية الحرة!»