هذه الأفكار والمبادئ تلقاها البطل الثاني للسكرية، عن أستاذه عدلي كريم رئيس تحرير مجلة «الإنسان الجديد»، وسرعان ما آمن بها، واستقرت جذورها في أعماقه، واتخذ منها شعاره القومي والإنساني في معركة المصير؛ ولقد كان أحمد شوكت معجبا بخاله كمال، ككاتب يمثل الطبقة المثقفة في جيله، ولكنه يتلقى من زميلته سوسن حماد - الصحفية المستنيرة التي أصبحت فيما بعد شريكة حياته - يتلقى من نقدها الموضوعي لموقف كمال الثقافي، ما يضيف إلى وجوده الفكري مزيدا من اللحظات المضيئة؛ إن كمال الكاتب، من خلال المنظار النقدي لسوسن: «واحد من الذين يهيمون في تيه الميتافيزيقيا؛ إنه يكتب كثيرا عن الحقائق القديمة: الروح؛ المطلق؛ نظرية المعرفة، هذا جميل، ولكنه - فيما عدا المتعة الذهنية والترف الفكري - لا يفضي إلى غاية! ينبغي أن تكون الكتابة وسيلة محددة الهدف، وأن يكون هدفها الأخير تطوير هذا العالم، والصعود بالإنسان في سلم الرقي والتحرر. الإنسانية في معركة متواصلة، والكاتب الخليق بهذا الاسم حقا يجب أن يكون على رأس المجاهدين، أما وثبة الحياة فلندعها لبرجسون وحده؛ عندما يكون الإنسان متألما يركز اهتمامه في إزالة أسباب الألم، مجتمعنا متألم جدا، فيجب أن نزيل الألم قبل كل شيء؛ ولنا بعد ذلك أن نلهو وأن نتفلسف!»
هذه اللحظات المضيئة التي تصنعها الكلمة الموجهة، تبرز موقف الكاتب من مشكلات عصره ... إنها تمثل دورا قياديا بالنسبة إلى المحيط الفكري للمجموع القارئ. ونجيب محفوظ لا يقتصر على الواقعية الإيحائية لإبراز مثل هذا الموقف الالتزامي، ولكنه يجسم عملية العرض بمجموعة من الأحداث المتشابكة، التي يربط فيها بين السلوك الداخلي والسلوك الخارجي لشخصياته؛ ومن هنا يمكننا أن نتابع خطوات أحمد شوكت - النموذج الصاعد للجيل الذي مهد لثورتنا الأخيرة - وهو يشق طريقه إلى هدف محدد، تقوده أضواء باهرة من الإيمان بقيم جديدة، عماده التطلع إلى حياة أفضل!
لقد انتهت هذه الخطوات بصاحبها إلى المعتقل، ومن وراء القضبان كانت أفكار أحمد شوكت ومبادئه تتسلل إلى الخارج، لتنضم إلى أمواج المد التطورية في نضالها الزاحف. وعلى أصداء تلك الأفكار والمبادئ استيقظ ماضي الجيل المأزوم ممثلا في كمال، وبدأ يرتبط بالحاضر ويتفاءل بالمستقبل؛ ويقول كمال لصديقه رياض قلدس، بعد أن هزت ضميره قوى الدفع الجديدة: «إن من المستحسن دائما أن يتأمل الإنسان ما يراود نفسه من أحلام، وعلى ذلك فالتصرف هروب، كما أن الإيمان السلبي بالعلم هروب، وإذن فلا بد من عمل، ولا بد للعمل من إيمان، والمسألة هي كيف نخلق لأنفسنا إيمانا جديرا بالحياة؛ دعني أخبرك بما قال لي أحمد شوكت، عندما زرته في سجن القسم قبل نقله إلى المعتقل، لقد قال لي إن الحياة عمل وزواج وواجب إنساني عام، وليست هذه المناسبة للحديث عن واجب الفرد نحو مهنته أو زوجه. أما الواجب الإنساني العام فهو الثورة الأبدية، وما ذلك إلا العمل الدائب على تحقيق إرادة الحياة ، ممثلة في تطورها نحو المثل الأعلى؛ أتدري ماذا قال أيضا؟ قال إني أؤمن بالحياة وبالناس، وأرى نفسي ملزما باتباع مثلهم العليا ما دمت أعتقد أنها الحق، إذ النكوص عن ذلك جبن وهروب؛ كما أرى نفسي ملزما بالثورة على مثلهم، متى ما اعتقدت أنها باطل، إذ النكوص عن ذلك خيانة. وهذا هو معنى الثورة الأبدية!»
لقد بدأ كمال يفيق من الإغماءة النفسية الطويلة، بدأ يستعيد إيمانه بنفسه، وبالشعب وبالحياة؛ لقد انتفض مع الانتفاضة الجديدة؛ وحين التقى القطب السالب بالقطب الموجب، اندلعت الشرارة المقدسة التي أضاءت للجموع الزاحفة معالم الطريق!
4
المضمون الاجتماعي والاتجاهي - كما عرضناه في نقدنا لهذه الملحمة الروائية - ينحصر حتى الآن في نطاق القطاع الطولي لمجرى الأحداث والمواقف. أما القطاعات العرضية فيستخدمها الكاتب - كما أشرنا إلى ذلك في الفصل الأول من هذه الدراسة - كروافد فنية، تعين المجرى الرئيسي على الانطلاق، هذه القطاعات أو هذه الروافد تمثل الأطراف المتقابلة على جوانب الحيز الامتدادي لخط التطور، كما رسمه الواقع التاريخي للمجتمع المصري، وكما لونه الالتزام الموقفي لنجيب محفوظ.