كان له إيمانه الديني ثم إيمانه بالحقيقة، ولم يلبث الله أن خرج من عالم كمال، ولم يلبث أن خرج بعده رسل وبرجسون وإسبينوزا ودارون؛ ويقول له صديقه عبد العزيز الأسيوطى صاحب مجلة «الفكر الحر»، التي يشارك في تحريرها ببحوثه ودراساته: «أنت أعزب في فكرك كما أنت أعزب في حياتك!» ويقول كمال لنفسه: «ترى أكانت عزوبته نتيجة لفكره، أم كان فكره نتيجة لعزوبته، أم أن الاثنين كانا نتيجة لشيء ثالث؟!»
في هذا المنولوج الداخلي الموجز، يقدم نجيب محفوظ خريطة المعالم النفسية لأزمة بطله كمال، وعلى امتداد الخطوط في هذه الطريقة، نستطيع أن نحدد تضاريس تلك الأزمة، التي صنعت شتى الاتجاهات الأخيرة لشخصيته؛ إن مضمون الفكر الأعزب والحياة العزباء، هو في جوهره مضمون الوحدة المقلقة، وهذه الوحدة كما تساءل كمال بينه وبين نفسه - كانت نتيجة لشيء ثالث، والشيء الثالث كان في ضوء الواقع شيئين: لقد هزم الشعب - بعد موت سعد - في صراعه القومي ضد الأقلية والاستعمار والقصر، وهزم هو - أي كمال - في صراعه الطبقي ضد «عايدة». ومن هنا، من هذين المنبعين الرئيسيين، انبثق تيار الأزمة العقلية والنفسية، جارفا معه إيمان كمال بأكثر ما اعتنقه من قيم، وتدفقت بعد ذلك في حياته تيارات أخرى من منابع جديدة، عمقت مجرى الأزمة وجسمت معالم المشكلة. لقد سيطر الانحلال الخلقي على المجتمع، وأصبح المنحلون أخلاقيا - من أمثال رضوان ابن أخيه ياسين - هم أصحاب الحظوة والنفوذ لدى المسئولين من رجال الحكم، أما هو - الإنسان الجاد الذي كان مرتبطا في حياته بقيم ومبادئ - فقد بقي مدرسا مغمورا يلقن مبادئ اللغة الإنجليزية لتلاميذه الصغار، واستمر موظفا لم يتخط بعد عشرة أعوام من العمل المرهق حدود الدرجة السادسة. وحين يتقرر نقله إلى أقاصي الصعيد لا يجد من يتوسط له ويبقيه في القاهرة غير ابن أخيه الناعم المنحل الذي لا يعرف مبادئ الشرف؛ وماذا كانت النتيجة التي خرج بها من إيمانه بالثقافة؟ لقد أدرك أخيرا أن الثقافة لا كرامة لها في بلده! إن أخاه الجاهل ياسين - بفضل المكانة المرموقة لنجله المنحرف - قد سبقه في ميدان المكاسب المادية من وظائف الحكومة؛ وصديقه فؤاد - ابن جميل الحمزاوي الذي كان عاملا في محل أبيه السيد أحمد عبد الجواد - أصبح يخاطب رب نعمته بلغة التعالي والكبرياء، وقد وضع ساقا على ساق؛ لأنه اليوم وكيل للنيابة بعد أن تخرج في مدرسة الحقوق أو مدرسة النفوذ، ولم يتخرج كما فعل هو في مدرسة المعلمين أو مدرسة الثقافة؛ والدراسات الجادة العميقة التي كان ينشرها في مجلة «الفكر الحر»، لم تجد من يقدرها في مجتمع تسوده في ميدان الفكر والخلق والسياسة كل أسباب التدهور!
ويقول له صديقه رياض قلدس الكاتب القصصي، الذي كان يشاركه في تحرير تلك المجلة: «إنك تعاني أزمة فريدة، كل ما عندك مزعزع الأركان، عبث وقبض الريح، نضال أليم مع أسرار الحياة والنفس، وملل وسقم، إني أرثي لك؛ إنك توحي إلي بشخصية الرجل الشرقي الحائر بين الشرق والغرب، الذي دار حول نفسه كثيرا حتى أصابه الدوار!» ويقول كمال لنفسه وقد تفجر في داخله أحد المنبعين الرئيسين لأزمته: «يتكلم عن الشرق والغرب؛ ولكن من أين له أن يعرف عايدة؟ قد تكون التعاسة متعددة الجوانب.»
هل انتهى كمال، الشخصية المصرية الصميمة، المعبرة عن واقع جيل مأزوم، والتي انتزع لها نجيب محفوظ - من خلال لحظات ضعفها النبيل - كل ما في نفوسنا من إيجابية الثورة على مجتمع بشع، تعود أن يحطم أروع ما يستقر في نفوس أفراده من إيمان بالقيم؟!
لقد انتهى كمال ليبدأ من نقطة النهاية؛ ليبدأ في شخصية أخرى رسمها نجيب، لتكون واجهة عرض جديدة للجيل المتطور؛ الذي مهد لثورة 1952، إنها شخصية أحمد شوكت، المكافح الشاب صاحب الأفكار التقدمية، المعبر عن انتفاضة الشعب الناطقة بعد صمت طويل؛ انتهى فهمي ليبعث في كمال، وانتهى كمال ليبعث في ابن أخته أحمد، من خلال قطاع طولي ممتد عبر العمل الروائي على مدار الأجزاء الثلاثة، ومن وراء الزجاج الشفاف لواجهة العرض الجديدة، نلمح مجموعة القيم العقائدية لشخصية أحمد شوكت. «إن الوفد حزب الشعب، وهو خطوة تطورية وطبيعية في آن؛ كان الحزب الوطني حزبا تركيا دينيا رجعيا، أما الوفد فهو مبلور القومية المصرية ومطهرها من الشوائب، إلى أنه مدرسة الوطنية والديمقراطية. ولكن المسألة أن الوطن لا يقنع ولا ينبغي له أن يقنع بهذه المدرسة؛ نريد مرحلة جديدة من التطور، نريد مدرسة اجتماعية لأن الاستقلال ليس بالغاية الأخيرة، ولكنه الوسيلة لنيل حقوق الشعب الدستورية والاقتصادية والإنسانية. أما الأدب فهو وسيلة من وسائل التحرير الكبرى، ولكنه قد يكون وسيلة للرجعية، فمن الأزهر ودار العلوم خرجت آداب مرضية عملت أجيالا على تجميد العقل والروح؛ والعلم أساس الحياة الحديثة؛ ينبغي أن ندرس العلوم وأن نتشبع بالعقلية العلمية، الجاهل بالعلم ليس من سكان القرن العشرين ولو كان عبقريا. وعلى الأدباء أن ينالوا حظهم منه. لم يعد العلم وقفا على العلماء، أجل لهؤلاء التضلع والتعمق والبحث والكشف، ولكن على كل مثقف أن يضيء نفسه بنوره وأن يعتنق مبادئه ومناهجه؛ ادرس الآداب كما تشاء، ولكن لا تنس العلم الحديث، ولا يجب أن تخلو مكتبتك - إلى جانب شكسبير وشوبنهور - من كونت ودارون وفرويد وماركس وإنجلز، لتكن لك حماسة أهل الدين، ولكن ينبغي أن تذكروا لكل عصر أنبياءه؛ وأن أنبياء هذا العصر هم العلماء!»