وقوله سبحانه: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (1)
ويقول المصطفى (- صلى الله عليه وسلم -): (نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) (2)
ولقد كانت من حكمة أمية النبى (- صلى الله عليه وسلم -) – والله أعلم بحكمته – أمرين:
الأمر الأول: قطع أسباب الريب عن قصار النظر من هواة الباطل وضعاف الإدراك حتى لا يقال أن القرآن من صنعة محمد (- صلى الله عليه وسلم -) ومن تأليفه , وسداً لهذه الذريعة أرادت إرادة الله تعالى وحكمته أن يكون صاحب الدعوة أمياً ﴿اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (3).
الأمر الثانى: أن الله تعالى لم يرض أن يكون من البشر أستاذاً ومعلماً لصاحب الدعوة يجلس محمد (- صلى الله عليه وسلم -) بين يديه يتلقى عنه العلم. ولكن قضت مشيئته سبحانه أن يكون معلمه " الله الواحد الأحد " بواسطة روحه الأمين جبريل عليه السلام ولذلك يقول سبحانه: ﴿وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ (4) أما حكمة أمية قومه (- صلى الله عليه وسلم -) فتتجلى فى الآتى:
1 - إعدام لوساوس شياطين الإنس والجن التى تزعم أن لمحمد معلم من البشر، إذ كيف يكون لهذا المعلم وجود فى بيئة أمية. ولو كان محمداً. وهو يعرفونه جيداً – ويتردد على واحد منهم لعرفوا ذلك وما خفى عليهم هذا الأمر.
2 - لما احتاج قومه أن يدعوا هذه الدعوة لم يجدوا عربياً واحداً من قومه أن يكون معلماً لمحمد (- صلى الله عليه وسلم -) فنسبوا تعليمه – زوراً – لرجل أعجمى لا يعرف العربية. ولذلك فضحهم القرآن بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنّهُمْ يَقُولُونَ إِنّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ﴾ (5) ثم يبطلون دعواهم بألسنتهم ﴿لّسَانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيّ وَهََذَا ... لِسَانٌ عَرَبِيّ مّبِينٌ﴾ (6). فكيف يتعلم رجل لا يعرف لغة معلمه ولا معلمه يعر لغته؟!! (7) ولذلك يقول سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلََكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نّهْدِي بِهِ مَن نّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنّكَ لَتَهْدِيَ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ - صِرَاطِ اللّهِ الّذِي لَهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ أَلاَ إِلَى اللّهِ تَصِيرُ الاُمُورُ﴾ (8).
رابعاً: لو كان القرآن من صنعة محمد – وحاشاه ذلك – لما ارتضى محمداً (- صلى الله عليه وسلم -) أن يسجل العتاب على نفسه أو أن يوجهه إليه، إذ العتاب يثقل الوطأة على النفس الحساسة وعلى الشعور المرهف. والقرآن يسجل آيات العتاب فى قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلّىَ - أَن جَآءَهُ الأعْمَىَ﴾ (9).
خامساً: أن القرآن الكريم عندما تحدث عن النساء المصطفيات، تكلم عن مريم عليها السلام وهى من بنى إسرائيل قوم موسى عليه السلام، وجاء القرآن يحمل سورة باسمها، ولو كان القرآن من عند محمد (- صلى الله عليه وسلم -) فلماذا يختار مريم أم عيسى عليه السلام ولم يختار أمه آمنة بنت وهب أو زوجته خديجة أوعائشة أو
(1) العنكبوت (48) (2) أخرجه البخارى (3) الأنعام 124. (4) النساء 113
(5) النحل 103
(6) النحل 103 ...
(7) راجع: افتراءات المستشرقين على الإسلام للدكتور عبد العظيم المطعنى ص 191، 198. ...
(8) الشورة 52، 53
(9) عبس 1، 2