بينه وبين إعلان نبوته فترة غير قصيرة، ولم تتبدد شكوكه إلا بعد أن خضع لإحدى الخبرات الخارقة فى غار حراء، ذلك بأن طائفاً تجلى له هناك يوماً - هو الملك جبريل - فأوحى إليه أن الله اختاره ... لهداية الأمة.!!! (1)
فهذه المزاعم تطعن فى الوحى المنزل على رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) كما أنها تطعن فى عصمته فيما بلغه من الوحى عن الله تعالى ... وبالتالى تطعن فى رسالته ونبوته (- صلى الله عليه وسلم -)!! ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً﴾ (2)
• رد الفرية:
نستطيع أن نرد على الفرية – بعون الله – فى نقاط:
أولاً: أن ما جاء به محمد (- صلى الله عليه وسلم -) وما بلغه وحى الله تعالى من عقائد وتشريعات فى العبادات والمعاملات، والحدود، والجنايات، والاقتصاد، والسياسة، والأخلاق، والآداب، وأحوال الحروب، وأحوال السلم، .... كل ذلك لا يمكن أن يكون وحياً نفسياً مبنياً على معلومات وأفكار مدخرة فى باطن الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) لأنها تشريعات لم تكن موجودة وما عرفت فى الشرائع السابقة – سماوية أو غير سماوية – فكيف يوحى إليه خياله أن يأتى بأشياء لا وجود لها وتخالف كل ما كان سائداً فى العقائد الموجودة كالوثنية، والمجوسية، والتألية، والتثليث وإنكار البعث.
فإذا جاء بشراً برسالة – من نفسه كما يدعون – تخالف معتقدات قومه فإنه سوف يفتح على نفسه أبواب التكذيب، والمواجهة، والصد، والإيذاء .. وهو فى غنى عن هذه الأشياء لأنه يريد أن يكون مسموعاً فى قومه، مطاعاً فمن باب أولى أن يأتيهم بما يقبلون ولا يقول لهم إلا ما يحبون. فكيف إذ هم آذوه وآذوا أتباعه وناصبوه العدوان وقاطعوه وهموا أن يقتلوه وأخرجوه من بينهم ... أليس ذلك دليلاً على أن رسالته سامية إلهية؟
ثانياً: اشتمل الوحى الإلهى الذى بلغه رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) – قرآناً وسنة – على أسرار وغيوب أخبر عنها ووقعت بعضها فى عهده (- صلى الله عليه وسلم -) وبعضها بعد وفاته، وبعضها نراه بعيوننا فى وقتنا الحاضر، واشتمال الوحى أيضاً على أسرار فى الكون والأنفس والآفات، ما كانت لتخطر على بال بشر قط، ولم يظهر تأويلها إلا بعد تقدم العلوم والمعارف فى العصر الحديث. وهى علوم ما كان لقوم محمد (- صلى الله عليه وسلم -) علاقة بها ولا يمكن لعقولهم أن تدركها فكيف أدركها خيال محمد (- صلى الله عليه وسلم -) وتكلم عنها؟!!
ثالثاً: أن محمداً (- صلى الله عليه وسلم -) لم يكن يتلوا من كتاب ولا خطة بيمينه ولا اطلع على كتب السابقين ولم يكن من الراسخين فى العلم ولذلك قال الله له: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هََذَا فَاصْبِرْ إِنّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتّقِينَ﴾ (3)
(1) تاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان ص 36، وينظر رد شبهات حول عصمة النبى (- صلى الله عليه وسلم -) لعماد الشربينى ص 317، 318.
(2) الكهف 5.
(3) هود 49