تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبرز الأندلسيون المعاصرون في نفس المهن التي برز فيها قبلهم أجدادهم المورسكيون. فالنجارة، مثلًا، كانت مجزأة عند الأندلسيين في العصر الإسلامي إلى ست حرف: النجارة الفنية، والنجارة الخارجية، والنجارة المتواضعة كإصلاح النواعير والطواحين، وما إلى ذلك. وبقي نفس الترتيب في الأندلس إبان القرن السابع عشر كما دل على ذلك كتاب "مختصر نجارة العارفين" الذي نشر سنة ١٦٣٣ م وهو كتاب تعليمي للنجارة على الطريقة المتبعة أيام الدولة النصرية، وأعيد طبع الكتاب مرة ثانية سنة ١٧٢٧ م، ومرة ثالثة سنة ١٨٦٧ م. وقال الناشر في مقدمة هذا الكتاب إن فنون النجارة الموضحة فيه كانت منتشرة في غرناطة وسرقسطة إلى أواخر القرن الثامن عشر. فمن جعل هذا التراث حيًّا سوى أبناء المورسكيين وأحفادهم الذين مكثوا في الأندلس؟ وبقي طابع اللباس والصناعات المتصلة به إسلاميًّا في غرناطة وجبال البشرات إلى آخر القرن التاسع عشر. وبقيت صناعة الحرير حيّة في يد عائلات من أصول إسلامية رغم تأثرها السلبي الشديد بطرد سنة ١٦٠٩ م. وبقيت صناعة الخزف التي كانت ببلدة فج اللوزة (مقاطعة غرناطة) أيام الدولة الأندلسية إلى ما هي عليه إلى اليوم. والأمثلة على ذلك كثيرة في مناطق أخرى من الأندلس.

وكانت الزراعة في الأندلس نتيجة عبقرية المسلمين الأندلسيين في خدمة الأرض وتجميلها، فاشتهروا ببراعتهم في إنشاء الحدائق وتزيينها، وزراعة أشجار الفواكه، فاشتهر وادي آش إلى اليوم بالتفاح (التفاح الجلياني)، ومالقة بالتين، وشرف إشبيلية بالزيتون، الخ ... ويتهم الغرب الأندلسيين اليوم بما يتهم به جميع الشعوب الإسلامية من التواكل والكسل وحب اللهو، والتمادي في الخيال وحب الشعر. ويُنعت الأندلسيون إلى اليوم خارج منطقتهم في إسبانيا بكلمة "مورو" (مسلم)، وهذا يدل على أن صورة الأندلس في نظر باقي إسبانيا لا زالت إسلامية. وهكذا يراهم السياح الأوروبيون، كالفرنسي فيلار الذي زار إسبانيا بين سنتي ١٦٧٩ م و١٦٨١ م، فقال عندما حضر في مباراة لعب الفرسان بالثيران: "وهذه اللعبة من بقايا المسلمين الذين لم تطرد بطردهم من إسبانيا أفكارهم ولا طرق تعاملهم نهائيًّا".

وطريقة توزيع ملكية الأرض في الأندلس المعاصرة هي أكبر شاهد لاستمرارية الأمة الأندلسية عبر محنتها. فبعد سقوط مدن الأندلس ومقاطعاتها المختلفة، صودرت

انبعاث الإسلام في الأندلس · الصفحة ٢٦٨

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انبعاث الإسلام في الأندلسص ٢٦٨