إنك والله لو رأيتهم على ذلك لرأيت منظراً لا يقوم له بصرك ، ولا يثبت له قلبك ، لا تستقر لفظاعة هوله على قرار قدمك ثم أخذ ينحب ويبكي بكاءً مرَّاً قائلاً :يا سوء منظراه, يا سوء منقلباه.
وهو على هذا يبكي حتى أبكى الناس معه ؛ فكانت موعظةّ بليغة .
وكان من بين الحاضرين فتى مسرف على نفسه بالذنوب والمعاصي و معروف بغفلته ، قال هذا الفتى بعد أن سمع ما سمع : أكُل هذا في يوم القيامة يا أبا بِشر ؟
قال : نعم ، والله يا ابن أخي وما هو أكثر ، قد بلغني أنهم يصرخون في النار حتى تنقطع أصواتهم فما يبقى منهم إلا كهيئة الأنين من شدة العذاب !!
فصاح هذا الفتى الذي كان غافلاً وقال : إن لله ، واغفلتاه عن نفسي أيام الحياة ، و أسفاه على تفريطي في طاعتك يا سيداه ، وأسفاه على تضييعي لعُمري في أيام الدنيا .
ثم بكى واستقبل القبلة وقال : اللهم إني أستقبلك في يومي هذا بتوبة لا يخالطها رياء لغيرك ، اللهم فاقبلني على ما كان فيّ ، واعفُ عما تقدم من فعلي ، وأقِلْني في عثرتي ، وارحمني ومن حضر ، وتفضل علينا بجودك وكرمك ، يا أرحم الراحمين ...
لك ألقيتُ معاقد الآثام من عنقي ، وإليك أنَْبتُ بجميع جوارحي صادقاً لذلك قلبي ، فالويل لي إن لم تقبلني !!
ثم سقط مغشياً عليه !! فحُمل من بين القوم صريعاً !!
فمكث هذا الشيخ الفاضل صالح المريّ وإخوانه يعودونه أياماً ، ثم مات رحمه الله !!
فحضر جنازته خلق كثير يبكون عليه ويدعون له .. فمات رحمه الله على توبة نحسبه كذلك
وكان صالح المريّ كثيراً ما يذكره في مجلسه فيقول:
بأبي قتيل القرآن!! بأبي قتيل المواعظ والأحزان !!
قال : فرآه رجل في منامه بعد موته فقال : ما صنعت ؟
قال : عمَّتني بركة مجلس صالح المريّ ، فدخلت في سعة رحمة الله التي وسعت كل شيء !!
نعم أيها الأحبة :
كيف لا تكون رحمة الله لمن أقبل إليه وأناب واستغفر من ذنبه وتاب !