تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عنه، وكرّم وجهه -مع أمه، بمقتضي قوله – تعالي-: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:6].

غير أن هذا الأدب الراقي ما توافر لكثيرين، ممن لم يستقوا من معين النبوة وفيض المنهج الرباني القويم، فبينما كان علي - رضي الله عنها- يتحرك مبتعداً عن الدار، إذ به يسمع رجلين من شيعته من أهل الكوفة يرفعان عقيرتيهما، ليسمعهما من في الدار، فقال أولهما: جُزيت عنا أمنا عقوقاً! وقال الآخر: يا أمنا توبي لقد خطئت! فالتفت علي إلي القعقاع ابن عمرو، وأمره بأن ينزل عقوبة علي من تطاول علي زوج رسول الله - صلي الله عليه وسلم - أم المؤمنين، الصدّيقة المطهرة، فقام القعقاع بضرب كل منهما مائة سوط.

O أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- يردّ عائشة إلى مأمنها معززة مكرمة: ثم تعافت عائشة – رضي الله عنها -، فجهز لها علي موكباً حافلا، ليعيدها وأتباعها إلي المدينة معززة مكرمة، وخرج معها ابن أختها عبد الله بن الزبير – رضي الله عنهما - وقد تماثل للشفاء. وفي غرة رجب من سنة ست وثلاثين هجرية، خرج أمير المؤمنين وولداه الحسن والحسين- رضي الله عنهم - وأهل البصرة جميعاً، يودعون موكب أم المؤمنين وهم مترجلون إجلالاً لها، فنظرت عائشة- رضي الله عنها - من خلف ستر هودجها، وبدأت تخطب في القوم، بعد أن حمدت الله وصلت علي رسوله، ودعت لأهل البصرة، ودعوا لها ثم قالت: «يا بني لقد تعتّب بعضنا علي بعض استبطاء واستزادة ـ تريد أن سبب الخلاف بين الصحابة، هو أن البعض استبطأ الثأر من قتلة عثمان، والبعض استزاد المهلة حتى تتم البيعة ـ فلا يعتدن أحد منكم علي أحد بشيء بلغه من ذلك، - والله - إن علياً عندي علي معتبتي لمن الأخيار». فقال علي: «يا أيها الناس صدقت أمكم - والله - وبرت ما كان بيني وبينها إلا ذلك، وإنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة» (1).

وهكذا كان اللقاء الأخير بين علي وعائشة - رضي الله عنهما وأرضاهما - لقاء ندياً يحمل طيب التآلف العلوي، الذي لا يعرفه ولا يدرك كنهه إلا من خلصت قلوبهم لله، وأما من تمتلئ نفوسهم حقداً علي الإسلام والمسلمين، فلا يمكنهم إدراك هذه الذرى الشامخة، وقد كان

(1) الطبري: ج5 ص582، تحت تجهيز علي عائشة من البصرة.

أمنا عائشة ملكة الطهر · الصفحة ٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أمنا عائشة ملكة الطهرص ٩٣