تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما مات المهدي كان الهادي مقيما بجرجان يحارب أهل طبرستان، فأخذت البيعة له، فلما بلغه بجرجان موت أبيه سار حتى دخل بغداد. وفي مدته ظهر الحسين بن علي بن الحسن بن الحسين رضي الله عنه بالمدينة في جمع من أهل بيته، وجرى بينه وبين عامل الهادي على المدينة، وهو عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب قتال، فانهزم عمر المذكور، وبايع الناس الحسين، ثم خرج الحسين ومن معه إلى مكة، وكان قد حج جماعة من بني العباس منهم سليمان بن أبي جعفر المنصور، وانضم إليه شيعتهم ومواليهم، واقتتلوا فقتل الحسين وانهزم أصحابه وأخذت رأسه ورأس جملة من أهل المدينة وبعثوا بها إلى الهادي، وكان العامل من طرفه على مصر «علي بن سنان». (5-5) خلافة هارون الرشيد 786-809م

وهو الخامس من بني العباس، تولى الخلافة بعد موت أخيه الهادي سنة 170 هجرية؛ أعني سنة 786م، كان هذا الخليفة أشهر وأفضل بني العباس، عاقلا مهابا موصوفا بالحكمة والتدبير، مولعا بمطالعة التواريخ والكتب الأدبية، وفي عصره اتسعت دائرة التجارة ونطاق المعارف؛ لأنه أصدر أمرا بترجمة الكتب اليونانية من فلسفيات ورياضيات وغيرها إلى اللغة العربية، وتنافست الكتاب في ترجمتها، وله غزوات كثيرة، من أشهرها غزوة بلدة هرقلة في عصر ملكها «نيسيفوروس»، المعروف في التواريخ الإسلامية باسم «نقفور»، حين امتنع عن أداء الخراج، فهزمه شر هزيمة، وعاد عليه الخراج كما كان، وقيل إن الرشيد حضر بنفسه ثمان غزوات، وقاتل فيها قتالا حسنا، ومن مناقب هذا الخليفة أنه كان غير محتجب عن أرباب الدعاوى، محافظا على راحة الرعية، كان يطوف أغلب الليالي مختفيا في شوارع بغداد؛ ليطلع على أحوال الرعية، فإذا رأى مظلوما أعانه وانتقم من ظالمه. قيل إن امرأة دخلت عليه وشكت إليه أذى العساكر حين مرورهم في أرض تخصها، فأجابها الرشيد قائلا: «جاء في الحديث أن من عادة العساكر أن يضروا بالأرض عند مرورهم بها للغزو والجهاد، فيجب على أصحاب الأملاك أن يتحملوا أضرارهم ويقوموا بخدمتهم.» فأجابته على الفور قائلة: «جاء في الحديث أن الملوك الذين يسمحون بظلم رعيتهم تجلب خرابا على مملكتهم.» فاستحسن الرشيد جوابها، ودفع لها ضعف خسائرها من بيت المال. وله مناقب كثيرة من هذا القبيل، وكان عامله على مصر موسى بن عيسى العباسي الذي أمر القبط في إعادة الكنائس ثانيا التي كان هدمها على بن يوسف، وقاموا عليه أهل مصر، وقالوا إنه يصلح للخلافة، ولما سمع الرشيد بذلك سخط عليه وعزله وولى مكانه موسى المذكور، وجملة نوابه بمصر أكثر من عشرة.

ولما اشتهر الرشيد في الأقطار الغربية بالحكمة والتدبير أرسل له «شرلمان» أو «شارل الأكبر» ملك الفرنج ومدبر السلطنة الغربية رسلا، فأرسل إليه الخليفة هدية ساعة ميكانيكية وأشياء أخرى فاخرة، وكانت الساعات لم تكن معروفة من قبل، فكانت هي أول ساعة ظهرت في أوروبا، وفاق الرشيد من سلفوا من الخلفاء والملوك، وزخرف بغداد والمدن الشهيرة بأنواع البساتين والزينة، وصرفت امرأته زبيدة مليون ومائة ألف دينار لحفر عين ماء لشرب أهل مكة والمدينة، وكان الرشيد قد استوزر يحيى البرمكي، ثم استوزر بعده ابنه جعفر، وكان الرشيد لا يفعل شيئا إلا باستشارته، ومن فرط حبه له زوجه أخته ميمونة بشرط عدم الاجتماع بها، ثم نكب به وقتله ونصب رأسه على الجسر وجعل جثته نصفين، كل نصف على جسر، وحبس أهله، وأخيرا قتلهم، وذلك لأسباب سياسية، وقيل إن البرامكة أحضروا له الزندقة، وقيل إن جعفرا اجتمع بأخته المذكورة فحملت بغلام، وهذا القول بعيد، وقيل إن الرشيد كلما مر على قرية أو ضيعة سأل: «هي لمن؟» قيل: «لجعفر.» وهذا هو الصحيح. ومات الإمام مالك وسيبويه إمام النحو في مدته، ومات الرشيد بمدينة طوس من أعمال خراسان حين توجه لقمع رافع بن الليث وقت إظهاره العصيان عليه، وذلك سنة 193، وعهد بالخلافة لابنه الأمين ثم المأمون. (5-6) خلافة محمد الأمين 809-813م

إتحاف أبناء العصر بتاريخ ملوك مصر · الصفحة ٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إتحاف أبناء العصر بتاريخ ملوك مصرص ٧٤