ثم مكر عمرو وقال: «إني أثبت خليفتي كما أثبت سيفي هذا في غمده.» فسلمت على معاوية أهل الشام بالخلافة، ورجع الإمام علي إلى الكوفة، ودعا الناس إلى اتحاد الكلمة وهم يخادعونه مدة مديدة من الزمن حتى دخلت سنة 40 هجرية، فاجتمع ثلاثة من الخوارج وهم «عبد الرحمن بن ملجم، وعمرو بن بكير التميمي، والبرك بن عبد الله التميمي وقيل اسمه الحجاج» وقالوا: «لو قتلنا أئمة الضلالة أرحنا منهم العباد.» فقال ابن ملجم: «أنا أكفيكم عليا.» وقال البرك: «أنا أكفيكم معاوية.» وقال عمرو بن بكير: «أنا أكفيكم عمرو بن العاص.» وتواعدوا على ليلة 17 رمضان سنة 40ه، واتفق مع ابن ملجم وردان من تيم الرباب وشبيب، ووثبوا على علي وقد خرج إلى الصلاة، فضربه شبيب فوقع سيفه فهرب شبيب ونجا، وضربه ابن ملجم في جبهته، وهرب وردان، وقبض على ابن ملجم وأحضر مكتوفا بين يدي علي رضي الله عنه، وأحضر الحسن والحسين، وقال: «أوصيكما بتقوى الله ولا تبغيا الدنيا ولا تبكيا على شيء زوي عنكما منها.» ثم قبض، وأما البرك فجرح صاحبه جرحا بليغا، وأما عمرو فقتل نائب صاحبه في الصلاة تلك الليلة، ودفن علي بالكوفة وكان عمره 63 سنة. (3-5) فتح مصر بالإسلام 638-641م
وبظهور الإسلام تضعضعت دولة الروم الشرقية، وأخذت في الانحطاط شيئا فشيئا. ففي خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء إلى مصر عمرو بن العاص، وكان العامل عليها من طرف هرقل هو المقوقس، وكان عمرو شاعرا شجاعا قد اشتهر في وقائع الإسلام الأولية، وبذل عزمه وحزمه أيضا في فتح الشام مع الأمراء الأخر، وكان غاية منيته أن يكلفه أمير المؤمنين عمر بفتح مصر، فبمجرد ما وعده أمير المؤمنين بأن يرسله لفتح مصر سافر من غزة ومعه أربعة آلاف مقاتل، وسار حتى وصل إلى مدينة «بيلوزه»، ولما ظهر عمرو بجنوده في أرض مصر وقعت الحرب بين العرب والروم في مدخل برزخ السويس، فانهزم الرومانيون والتجئوا إلى المدن الحصينة، ولما لم يجد عمرو من يقاومه مر برجاله من صحراء برزخ السويس وجعل معسكره أمام مدينة «بيلوزه»، وكانت هذه المدينة مفتاح الوجه البحري، وحاصرها فلم تصبر على الحصار إلا شهرا واحدا، فاستولى عليها في أسرع وقت، وذلك سنة 639؛ أعني 18ه، وساروا بعد ذلك حتى وصلوا إلى مدينة منف التي كانت قاعدة الحكم، وبادروا بحصارها فانجبرت أهلها لعقد المبايعة مع عمرو بن العاص، وأمر كل من بأرض مصر من الأقباط أن يعترفوا بحكم المسلمين، وأن يدفعوا عن كل نفس دينارين في السنة، فتحصل من تلك الجزية في السنة الأولى اثني عشر مليونا، وأنه لا مانع من أن يبقوا على دينهم، ولما فرغ عمرو والمقوقس من المبايعة وامتثال الأقباط لها دخل مدينة منف واتخذها تخت حكومته، وذلك سنة 641م؛ أعني سنة 40ه.
فتح مدينة الإسكندرية سنة 640م
وبعد ذلك بادر عمرو بن العاص بالعود إلى المحاربة مع الروم فسار برجاله من منف إلى الوجه البحري، وهزم الروم في واقعة كوم الشريك؛ حيث كانوا قد تجمعوا بعد الشتات، واقتفى أثرهم حتى دخلوا مدينة الإسكندرية فحاصرها مدة أربعة أشهر، وكان عمرو قد أخذ أسيرا ولم يطلق سبيله إلا بحيلة من عبده وردان، فكانت النصرة للإسلام على الروم بما عندهم من الحمية الدينية، فهجموا على تلك المدينة هجمة الآساد على الأغنام، فامتلكوها في 21 ديسمبر سنة 641م؛ أعني سنة 21ه.
ووكل الأقباط بتحصيل الأموال؛ حيث رآهم أعرف من المسلمين بإدارة الفروع المتنوعة من أمور التدبير؛ لأنهم يعرفون درجات الناس ولغتهم، فتحصلت من ذلك أموال جسيمة صرف معظمها أمير المؤمنين عمر في أشغال نافعة لبلاد مصر، منها تجديد خليج السويس الذي كان يوصل النيل بالبحر الأحمر، وكان عمرو يريد أن يحفر برزخ السويس؛ ليصل البحر الأحمر بالأبيض إلا أن عمر أبى من ذلك؛ خوفا من فتح طريق للروم إلى مكة والمدينة. وقد بنى عمرو جامعه المشهور باسمه لغاية الآن، واختط مدينة مصر القديمة، وكانت تعرف قديما باسم الفسطاط - أي الخيمة - والسبب في ذلك أنه لما أمر المسلمين بالرحيل إلى مدينة الإسكندرية أخبر بأن زوج يمام عشش فوق خيمته، وأنه قرب على الفقس. فأجابهم قائلا: «معاذ الله أن يأبى مسلم أن يكون ملجأ لأي مخلوق، دعوا خيمتي بمحلها حتى أعود.» فبقيت الخيمة في محلها، وأسست حولها المدينة، وسميت باسم الفسطاط بدلا عن مدينة منف التي انهدمت.