وأما عرب ثقيف المتعاهدون مع هوزان فإنهم وإن كانوا مصرين بعنادهم على عبادة إلههم اللات فقد قاوموا المسلمين المحاصرين مدينة الطائف عشرين يوما، ولما رأى النبي
صلى الله عليه وسلم
ذلك منهم أمر برفع الحصار عنهم مؤملا أن مقتضيات الزمن المستقبل تئول إلى الدخول في دين الإسلام، فرجع عن تلك المدينة إلى مكة وزار الكعبة ثم رجع إلى المدينة المنورة.
فصار فتح مكة وإسلام كفار قريش وهزم قبائل هوزان وهدم الهياكل التي كانت معدة لعبادة الأصنام سببا في زوال عبادة العرب الجاهلية. (2-7) الكلام على غزوة تبوك وسنة السفارات للملوك
ولما أشيع أن الروم والعرب النصارى يجمعون جيوشهم في حدود بر الشام خطب النبي خطبة حث فيها المؤمنين على الجهاد، وأمده الأغنياء بأموالهم، فجهز عشرة آلاف فارس وعشرين ألف رجل واثني عشر ألف جمل، وسار بذلك الجيش حتى وصل إلى تبوك الكائنة في منتصف الطريق بين المدينة ودمشق الشام، ثم أمر بالرجوع واكتفى بانقياد أربع مدن وهي جرباء وأذرح وأيلة ودومة الجندل.
وأما باقي السنة أي سنة 620م الموافقة سنة 10ه، وهي المعروفة في تواريخ الإسلام بسنة السفارات للملوك، فقد اشتهرت بدخول خلق كثير من الأجلة في الدين المحمدي، وكذلك سكان مدينة الطائف وقبائل ثقيف ومشايخ اليمن الحميرية ومشايخ إقليم مهرة وملوك حضرموت وعمان وجزائر البحرين واليمامة، قد بعثوا إلى النبي
صلى الله عليه وسلم
رسلا ليبايعوه على الإسلام، وباقي القبائل أطاعهم خالد بن الوليد بعضهم بالحرب وبعضهم طوعا. وبعث علي بن أبي طالب إلى اليمن ومعه معاذ بن جبل، فأسلمت همذان في يوم واحد.
وفيها حجة الوداع، فخرج النبي حاجا في ذي القعدة، وعلم الناس مناسك الحج والسنن، وأنزل عليه:
اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا . وفي سنة 11ه في سنة 622م توفي النبي
صلى الله عليه وسلم ، وكفن في ثلاثة أبواب أدرجا، وصلوا عليه ودفن في الموضع الذي قبضت روحه فيه.
وعلى حسب أبحاثات سعادة محمود باشا حمدي، وجد أنه
صلى الله عليه وسلم
لاقى ربه إما يوم الأحد 11 ربيع الأول الموافق 7 يونيو، وإما الاثنين 12 ربيع الأول الموافق 8 يونيو سنة 632م، وعمره 61 سنة شمسية و84 يوما أو 63 سنة قمرية وثلاثة أيام. (3) الخلفاء الراشدون (3-1) خلافة أبي بكر الصديق
ويلقب بخليفة رسول الله، ولما قبض الله نبيه
صلى الله عليه وسلم
قال عمر: «من قال إن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
مات علوت رأسه بسيفي هذا، وإنما ارتفع إلى السماء»، فقرأ أبو بكر:
وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم
الآية، فرجع القوم إلى قوله، ومات
صلى الله عليه وسلم
ولم يعين خليفة له، ومن ثم كثرت المطامع التي أراقت الدماء في القرن الأول من الهجرة، ومع ذلك فلما علم أصحابه
صلى الله عليه وسلم
أن أمراء الأنصار يتهيئون لانتخاب سعد بن عبادة الخزرجي خليفة بادروا بانتخاب أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه؛ لأن النبي
صلى الله عليه وسلم
كان كلفه بأن يصلي بالناس بدلا عنه، فبايعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاقتدى به الصحابة في المبايعة، ولم يمتنع من مبايعته إلا أناس قليلون بايعوه بعد قليل، وأنفذ جيش أسامة بن زيد الذي كان رسمه رسول الله
صلى الله عليه وسلم
قبل وفاته، فصار يحثهم على الجهاد ويشجعهم وهو ماش وأسامة راكب، ثم رجع، واستمر أسامة في الجهاد، وأطاع القبائل المترددة، وشن الغارة على أهل أبنى وقتل رجالهم وسبى نساءهم ورجع إلى المدينة، وكان عمر أسامة وقتئذ سبع عشرة سنة، وفي مدة خلافته امتنعت قبيلة بني يربوع عن أداء الزكاة فأرسل إليهم خالد بن الوليد لمحاربتهم، فحاربهم حتى رجعوا. وفي أيامه فتحت الحيرة بعد وقعة عظيمة بين أهلها والمجاهدين من الإسلام، وادعت النبوة سجاح بنت الحارث بن سويد التميمية، واتبعها بنو تميم وأخوالها من تغلب وغيرهم من بني ربيعة، وقصدت مسيلمة الكذاب، ولما وصلت إليه اجتمعت به مدة ثلاثة أيام، وآل أمرها إلى أن أسلمت في زمن معاوية، وماتت بالبصرة. وأما مسيلمة الكذاب المدعي النبوة فأرسل إليه خالد بن الوليد فقاتله باليمامة وقتله. وأما «الأسود العنسي» المدعي النبوة فقتل في حياة الرسول، وفي أيام أبي بكر الصديق جمع القرآن في مصحف واحد وحفظ في دار السيدة حفصة زوجة النبي