ذكر المؤلف «دوبركس» في كتابه أن قبيلة الدريانيين إحدى قبائل اليونان الأربع الشهيرة، «وهم الآشيون والآيوليون والآيونيون والدريانيون»، إلا أنهم لبثوا في التوحش مدة طويلة عن باقي القبائل اليونانية، وكانوا يسكنون بالقرب من جبال ويتا - جبل بين بلاد هيلانة أو بلاد اليونان الأصلية وبلاد تساليا - في مملكة كانت تسمى دوريد، وفي سنة 80 بعد حرب تروادة تجاوز الدريانيون البوغاز الفاصل لبلاد اليونان الأصلية، وشبه جزيرة المورة «بيلوبونيز»، وأغاروا على هذه المملكة الأخيرة، وفتحوا أرغوليد وليكاونيا، واستولوا أيضا على قورنتة. فهاجر الآيونيون من شبه جزيرة المورة إلى قسم آتيكا، وصارت هذه المملكة الأخيرة ملجأ لجميع المهاجرين، ثم أراد الدريانيون طرد هؤلاء الأقوام من قسم آتيكا، فتجاوزا برزخ قورنتة، وتقدموا إلى مدينة أتينا، فأخبر وحي دلفوس الدريانيين أنه إذا مات ملك الأتينيين ظفروا بكم، وإذا مات ملككم ظفرتم بهم، فلما سمعوا قول ذلك الوحي احترسوا كل الاحتراس عن قتل ملك أتينا، وكان ملكها يدعى «قودروس»، فدخل متخفيا في معسكر الدريانيين، فقتله أحد هؤلاء القوم، فلما عرف الدريانيون جثة ملك الأتينيين رجعوا إلى بلادهم خائبين، وتسمى هذه الإغارة أيضا برجوع الهركلديين، وقد نشأ من هذه الإغارة جملة مهاجرات أسست نزلا يونانية على شواطئ آسيا الصغرى وأفريقا وسيسيليا وإيطاليا. (1-3) الكلام على ديانة اليونان
أما ديانة اليونان فكانت عبارة عن عبادة الغابات والجبال والرياح والمياه التي كانوا يشخصونها في جمعية الآلهة التي هي على صورة الإنسان ولهم الشهوات والمصائب.
وقد كان لأمة اليونان - فيما يزعمون - آلهة متفاوتون في الدرجات ومتباينون في الامتيازات والاعتبارات، فكان من أعظمهم عندهم قدرا وأرفعهم ذكرا سائس أو جوبيتير، وكانت سلطنته في السماء، وكان ملك باقي الآلهة، وعلى يمينه صاعقة وبجواره نسر معدا لركوبه عليه، ومنهم «بوسايدون أوربيتون» وهو مدبر البحر، وكان يسير على الموج بعربة من الصدف يجرها بعض المدبرين الآخرين، وكان بيده شيء كهيئة شكل مثلث له ثلاث شوكات أعدها للزلازل، ومنهم أبلوتون وهو مدبر الأرض السفلى والعالم المظلم، ومنهم آبولون «آبولو»، ومن شأنه الإخبار بالغيب وإظهار الفنون العجيبة كالموسيقى والأشعار، وكان أجمل من غيره، وله معرفة بضرب الطنبور، وكانوا يقدمون الذبائح والقربانات لآلهتهم، وكان لهم احترام زائد للهياكل والمعابد اعتبارا لآلهتهم، حتى إذا دخل مذنب في هيكل ليحتمي فيه لم يتعد عليه أحد ما دام داخل المعبد. (1-4) ذكر جمهورية إسبارطة
اعلم أن مدينة إسبارطة كانت قاعدة ليكاوينا، بناها القديمون في القرن الخامس عشر قبل المسيح، وبعد رجوع الهركلدية واستيلائهم على ليكاوينا وأرغوس وميسيني ملك على ليكاوينا ابنا «أرستود» اللذان اسم أحدهما «أورشين» والآخر «بردكليس»، وبقيت المملكة بعد وفاتهما مقسومة إلى قسمين بين نسلهما نحو 900 سنة، وجرى بين ملوك القسمين الشقاق والمخاصمات في غضون تلك المدة. وفي سنة 884ق.م توفي «بوليديكتوس» ملك أحد القسمين تاركا زوجته حاملا، وكان له أخ اسمه «ليكورغوس»، فراودته امرأة أخيه طالبة أن يتزوج بها ويتقلد بالملك بعد أخيه وأنها تهلك الجنين إذا قبل ذلك، فكره «ليكورغوس» أن يرتكب هذا الأمر القبيح، وعندما وضعت امرأة أخيه ذكرا اهتم بتربيته ودعاه ملك إسبارطة الشرعي، وكان يدبر أمور الدولة بالنيابة عن ابن أخيه، ولكن إذ حدث نفور بينه وبين امرأة أخيه كره أن يبقى على تلك الحالة، فسافر إلى جزيرة كريت (كنديا الآن) ثم إلى آسيا الصغرى ومصر لكي يدرس علوم تلك البلاد وشرائعها، فحدث في مدة غيابه مخاصمات وفتن كثيرة في إسبارطة، وجاهر كثيرون بالعصيان على الملك وشرائع المملكة، فأرسل الأهالي يطلبون من ليكورغوس أن يوفيهم عاجلا، ويتقلد زمام الملك، ويقي البلاد من الدمار، فأجابهم إلى ذلك، وأخذ في إصلاح البلاد وإخماد الفتن، وغير هيئة الحكومة من الملكية إلى الجمهورية؛ حيث اقتدى به كثير من ممالك اليونانيين، وأصبح الحكم الجمهوري غالبا في أكثر البلاد وأراد التسوية بين وجاهة الملوك والأكابر والعامة، ورتب لذلك ديوانا مركبا من 28 عضوا ينتخبون من أعيان الأهالي، وقسم المملكة بين الأهالي بالمساواة لكي لا يكون بينهم فقير ولا غني، وأبطل المعاملة بالذهب والفضة، وجعل عوضهما قطعا من حديد، وكانت تؤخذ أولادهم وقت ميلادهم، ويتربون بالحكومة ليتعودوا على اقتحام الأهوال، وكانوا يعلمون الأولاد احترام الشيوخ والشرائع واحتقار الآلام والموت. (1-5) ذكر جمهورية أتينا