ولو أنه لم يكن لليهود دور مهم في السياسة مع أنها دون غيرها من الأمم التي يختلط بها في المدن، إلا أننا نرى لها تأثيرا مهما على الآداب لمحافظتها على عقيدة وحدانية الله سبحانه وتعالى، ومع أنها احتجبت عن العلوم والصنائع، إلا أنها قد ارتفعت بواسطة الوحي إلى درجة عالية من سمو الأفكار كما يتبين ذلك من صحف الأنبياء التي التوراة إحداها.
ذكر مملكة بني إسرائيل
وقد بقيت هذه المملكة نحو 255 سنة، وفيها انتشرت عبادة الأوثان، ونرى تاريخها مشحونا بالكبائر والكفريات، حتى قام عليها ملكا آشور، وهما «تجلات فلصر الثاني» و«سلمنصر»، ودمراها وسبيا أهلها، ثم بعد ذلك بمدة حضر سرجون، وحاصر مدينة السامرة، ثم استولى عليها، ونهبها ونقل أهلها إلى بلاد ميد، وأرسل إلى تلك المدينة بدلهم بأمم من آشوريين وكلدانيين.
الفصل الثالث
| في تاريخ مصر وهي في حكم الفرس
(1) العائلة السابعة والعشرون الفارسية
ذكر قمبيز بن قيروش من 529-525ق.م
ولما تمكن الملك قمبيز من ديار مصر وتسلطن عليها، سعى في أن يجذب قلوب المصريين إليه بواسطة تقليد من بقي من أعيانهم بعلامات الامتياز، وقرب إليه أمناء الديانة؛ ليتعلم منهم ما اشتهروا به من العلوم والفنون، حتى إنه كان قد اتخذ لنفسه ألقابا سلطانية مصرية، وأراد أن يوهم الناس أنه من نسل العائلات الملوكية الفرعونية، وسمى نفسه أيضا بختنصر الثاني.
وكانت مصر قد تمهدت للقوم الفارسيين، ولم ير فيها كما في عهد افتتاح الأتيوبيين لها واستيلائهم عليها في العصر السالف؛ أن قام بالأقاليم البحرية «أي الدلتا» منها بعض عصب أهلية، ولا حصل بها حروب حربية لقصد إخراج القوم الفاتحين لها منها، بل كان فتح الديار المصرية بالجيوش الفارسية قد أفزع سائر الأمم المجاورين لها، حتى إن الليبيين أذعنوا له بالطاعة من غير قتال ، وكذلك اليونان سكان برقة، ولما صفا له الحال شرع في ثلاث غزوات: الغزوة الأولى كانت مع أهل قرطاجة. والثانية نحو «واحات آمون». والثالثة نحو بلاد الأتيوبيا. فجهز للأولى أسطولا مركبا من أناس بحارة من الفنيقيين أي الصوريين، فامتنعوا من موافقته على التوجه للهجوم؛ لداعي قرابتهم بالقرطاجيين، فتوجه قمبيز بجنوده إلى بلاد الأتيوبية بجراءة لا يتصورها العقل غير ملتفت لمؤنة جيوشه من الذخائر الضرورية، ولا لما يلزم لنفسه من وسائل الاحتراس، ولما وصل إلى مدينة «طيبة» الصعيدية وجه فرقة من جنوده الفارسية تبلغ نحو خمسين ألف عسكري لمحاربة الآمونيين «سكان واحة سيوه» التي بها معبد آمون عند اليونانيين باسم «جوبيتير»، وأمر عسكره بإحراق ذلك الهيكل وما فيه من الكهنة، واستمر على السير بباقي جنوده إلى جهة بلاد الأتيوبية، وأراد أن يختصر الطريق، فانحرف عن شواطئ النيل من عند اعوجاجه الكبير، وتوغل بعساكره الكثيرة في الصحراء المعروفة الآن بصحراء «كروسكو» لكونها أقرب طريق للأتيوبيا، فلما قطع ربع الطريق ووصل إلى سهول متسعة من الرمال لا شجر فيها ولا علف للدواب، ولا ماء للشرب، فخلص زاده ولحق جيشه القحط والجوع حتى أكل بعضهم بعضا بالإقراع، ثم خاف على نفسه فرجع هو ومن بقي معه. وأما من توجه منهم إلى واحات «آمون» فلم يعرف لهم خبر، ولم يقف لهم على أثر، وبقي حالهم مجهولا لغاية الآن، وقد روي عن بعض الكهنة الآمونيين، أن فرقة الجيوش الفارسيين الذين كانوا قد توجهوا إلى تلك الناحية، لما وصلوا إلى نحو نصف الطريق من تلك الصحاري الليبية كانت قد قامت عليهم من جهة الجنوب ريح عاصفة شديدة، فدفنتهم تحت جبال من الرمال.
ثم اعتراه داء الجنون، وصارت أفعاله اختلالات ومفاسد، حتى اتفق عند رجوعه من غزوته الخائبة إلى مدينة «منف» عيد إقامة معبود لهم جديد، وهو العجل المشهور باسم «أبيس»، حيث مات لهم عجل قديم، فظن أنهم فرحوا لهزيمته، فقتل الكهنة وأرباب الحل والعقد دون أن يسألهم عن الأسباب، وطعن العجل معبودهم، فأدماه على الأرض، ونهب ما كان بالمقادير من النفائس القديمة، وقتل أخته التي هي زوجته أيضا، وكان قد تزوج بها على خلاف عاداتهم؛ إذ كانت العادة عندهم لا تجوز للأخ أن ينكح أخته إن كانا شقيقين.