ذكر داود عليه السلام 1056-1016ق.م
ولما كانت الأقوام الفلسطينية يسطون على الدوام على أمة اليهود ويأخذون منهم الجزية، فلم يسع داود أن يستطع لهذا العار، فقام وحارب هؤلاء الأقوام، وأدخلهم تحت طاعته، وحارب العمالقة والأيدوميين جنوب بلاد الشام، وكذا العمونيين «سكان بلاد عمان»، وبالنسبة لذلك قامت القيامات والعصب في جميع البلاد الكائنة بين نهري الأردن والفرات، فلم ينزعج داود منهم، بل سار بنفسه إليهم، وقاتلهم واستولى على مدينة دمشق وسوريا وحمص، وشتت شمل أمة الأيدوميين بوادي الملح، وأحدث طرق مواصلات تجارية فيما بين ممالكه وبحر القلزم وأقصى بلاد آسيا وأفريقا، ونزل على القوم المسمين باسم «اليبسيين»، وهم أشجع الأقوام الكنعانيين فقاتلهم وأخذ منهم قلعتهم المسماة باسم «يبس» أو «سالم»، وهي التي نشأت في مكانها مدينة أورشليم أو بيت المقدس فيما بعد، وجعلها مقر مملكته وقاعدة دولته من ذلك العهد، وأدخل فيها النظام العسكري والمدني، وكان عصره أعظم أعصار أمة اليهود، وفي آخر سنة من حكمه خرج عليه ولده المسمى باسم «عادونياش»، وكان داود عهد بالملك لولده «سليمان»، فتخلى عن «عادونياش» أصحابه المتعصبون معه، فدخل تحت طاعة أبيه وعفا عنه.
ذكر سليمان عليه السلام 1016-976ق.م
قد اشتهر سليمان بالحكمة وفصل الخطاب. وكان أبوه وطد له دعائم المملكة، فلم يحتج عليه السلام لإقامة حروب مع أي أمة ما، غير أن أخاه المدعو «عادونياش» السالف الذكر قام عليه ونازعه في الحكم فقتله سليمان؛ ليصفو له سرير الملك من العاهات التكديرية، وبعد ذلك صرف مدة حكمه التي هي عبارة عن أربعين سنة في أنس، وكان مهادنا لكل من جاوره من الأمم، وهو الذي بنى معبد القدس الشريف حسب وصية من أبيه، فأمده «هرام الثاني» ملك صور كما تقدم، بكل ما يلزم لبنائه من عمال ومواد، وأتمه في سبع سنين، وكان يوجد به كثير من التماثيل التي لم يسمع بها.
وقد اشتهر سليمان بالحكمة كما أسلفنا، فكان مهابا محترما عند جميع الأمم، حتى سعت إليه بلقيس ملكة سبأ من أقصى بلاد العرب لسماع حكمته، وتزوج بها، وكان يميل للمشروعات الجسيمة، فكانت أساطيله تجول الإقيانوس الهندي لتبحث فيه على الذهب والعاج والأمتعة الثمينة، وكان ملاحوه من الفنيقيين، ولا يخفى أن هذا الأمر يحتاج لتبذير أموال جسيمة، فلذا ألزم أهل ملته بالمغارم، فحصل لها ضجر عظيم ظهرت نتيجته بعد موته. (5-2) ذكر مملكتي يهوذا وبني إسرائيل
ذكر راحبعم
وبمجرد موت «سليمان» كان قد قام بعده على الفور ابنه «راحبعم»، وذهب إلى مدينة سيشار أو «نابلس»؛ إذ كان قد اجتمع فيها سائر بني إسرائيل؛ ليقلدوه ملكا عليهم، وكان رئيسهم رجل يدعى يربعم، فطلبوا منه أن يحط عنهم بعض ما كان أبوه قد كلفهم به من كثرة الضرائب عليهم، فامتنع من ذلك وأغلظ لهم الجواب، فقام جميع بني إسرائيل ودخلوا خيامهم، فأرسل «راحبعم بن سليمان» وزيره المدعو باسم «عادورام» لمنع هذا القيام فرجموه بالأحجار حتى مات، وخشي «راحبعم» على نفسه ففر هاربا إلى أورشليم، وخرج عن طاعته عشرة أسباط من الإسرائيليين ما عدا سبطي يهوذا وبنيامين؛ حيث بقيا على طاعته، وبايع الأسباط العشرة يربعم المذكور، وهكذا انقسمت إلى قسمين: قسم في الجنوب: عبارة عن سبطين، وسمي مملكة يهوذا، وقاعدته القدس الشريف. وقسم في الشمال: عبارة عن عشرة أسباط، وسمي مملكة بني إسرائيل، وقاعدته مدينة السامرة.
ذكر مملكة يهوذا
مكنت هذه المملكة نحو 893 سنة، وفي السنة الخامسة من حكم راحبعم بن سليمان دخل شيشنق رأس العائلة الثانية والعشرين أرض فلسطين بجيش جرار، واستولى على بيت المقدس ونهب الأواني المقدسة من الهيكل، وكذا القصر السليماني، ثم رجع إلى بلاده بهذه الغنائم، وذلك سنة 970ق.م وقد كابدت هذه الدولة محنا جسيمة من مهاجمة الأمم المجاورة لها، من ذلك: أن سنحاريب هدد بيت المقدس، فالتزم حزقيا ملك اليهود وقتئذ أن يعقد معاهدة مع ملك مصر سباقون الأتيوبي، فهلك من جيش سنحاريب عسكر لا تحصى - كما سبق ذلك - ثم وقع منشا بن حزقيا الصالح في قبضة «أسارادون» ملك آشور سنة 675ق.م، ولما قام «نيخاؤس الثاني» تقدم إلى نهر الفرات، وحاصر مدينة قرقيش الكائنة على هذا النهر، بيد أنه انهزم أمام خصمه بختنصر، وعاد المصريون بالخيبة إلى بلادهم، أما البابليون فاستولوا على بيت المقدس، وقتلوا ملكه وولوا بدله صدقيا بن يوشيا، فعصى على بختنصر، واستنجد بملك مصر «أبرياس» «واح أبرع»، فانهزم أمام خصمه، ووقع بيت المقدس في يد بختنصر بعد حصار ثمانية شهور، ودمره الكلدانيون، وأسر صدقيا بن يوشيا الذي هو الملك المتمم للعشرين بعد سيدنا داود عليه السلام، وأسروا جميع من نجا من القتل.