تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذكر قيروش 559-545ق.م

وكانت هزيمة «إستياج» المذكور وافتتاح بلاد ميد أن صار بيد الملك قيروش «كسرى الأول» الولاية السلطنية على سائر البلاد التي كانت تابعة للسلطنة الميدية، وصار له اليد العليا، خصوصا على الأمم الإرانيين المتوطنين فيما وراء جبال «هندوكوش» وصحارى بلاد القرمان، فبادر بوضع اليد بالفعل عليها، وأجرى رسوم السلطنة بالعمل فيها، وقد كان ذلك الأمر سهلا عليه؛ إذ كان سائر الملل يميلون إليه.

ولما كانت بلاد بكتريان معرضة لكثرة إغارات الأقوام الأغراب، وتكرر سقوط هؤلاء القبائل المتوحشة عليها بالقتل والنهب، كان أول ما تعلقت به همة الملك «قيروش» أن ابتدأ لقصد الحصول على الأمن فيها بأن حارب القوم التورانيين (المسمين الساسيين) وهم قوم من أقوام «يأجوج ومأجوج» كانوا قاطنين حوالي ينابيع نهر سيحون «سيرداريا»، فغلبهم وانتصر عليهم وأسر ملكهم المسمى «آمورجيس»، وجعل بلادهم سترابية أي محكومة بحاكم يدعى ستراب «أي مرزبان» بمعنى العامل على إقليم من أقاليم الدولة الفارسية، وفتح البلاد المجاورة لجبال القوقاز بعد أن قاسى فيها مقاساة عظيمة، وهلك منه أناس كثيرون، وقد أدخل تحت طاعته كلا من إقليمي طاغستان والجرج والأقوام المدعوين باسم «الكولشيديين» سكان إقليم كولشيدة، (وهو المعروف الآن بولايتي إيمرسيا ومنغوليا)، وكذا الأقوام الذين كانوا قاطنين في الجبال الكائنة على الساحل الجنوبي الغربي من بحر الخزر وهم المارديون والمكرونيون وأمة الطبرانيين، وهم قوم كانوا مشهورين عند الأمم السالفين من أقدم الأعصار السالفة بعمل المصنوعات المعدنية، وباختراع حديد الصلب كلهم كانوا أطاعوا لصولته، ودخلوا تحت أسر دولته، وبذلك صار قيروش الفارسي المذكور مستوليا على سائر الأقطار الكائنة بآسيا الصغرى - بلاد الأناضول الآن - إلى حد نهر قزيل يرموق.

وكان «كريزوس» ملك الليديين - أمة بآسيا الصغرى - معاصرا لقيروش، وكان هذا الملك مشهورا بغناوته، فاتفق ذات يوم أنه وجد أحد فلاسفة اليونان المدعو «سولون» في معيته، فسأله: هل يوجد أحد في الدنيا أغنى مني؟ فجاوبه هذا الفيلسوف اليوناني قائلا: إن الإنسان لا يعد نفسه غنيا إلا إذا انقضت باقي أيامه بالسلم. فلم تمض مدة من الزمن إلا وقد ثبت كلام هذا الفيلسوف الأجنبي.

نصرة قيروش على كريزوس:

ولما علم كريزوس بنصرة العجم على الميديين فبالنسبة لقرابته لإستياج «صهره» عزم على كسر شوكة الأعجام، وكان قد أخبره أحد كهنة المعبود «دلفوس» أنه إذا تعدى نهر قزيل يرموق لخرب مملكة عظيمة، فنظرا لذلك قام لمجادلة الأعجام، فالتقى الفريقان في محل متسع أمام مدينة «سردوس» قاعدة سلطنة الليديين، وتم الأمر بهزيمة الملك كريزوس، ووقع في قبضة الأسر، فأمر قيروش بإلقائه في النار، فصاح ملك الليديين قائلا: «سولون»، ثلاث مرات. فأراد قيروش أن يستفهم عن سبب ذلك، فقص عليه القصة، فلما سمع ذلك قيروش أخذته الرأفة، وخاف من تقلب الأزمان وأطلق سبيل كريزوس، وعامله بالإحسان، وكان في أغلب الأوقات يستشيره في مشروعاته.

وبعد أن أخضع قيروش آسيا الصغرى، هجم على مدينة بابل، ولم يمكنه الاستيلاء عليها؛ بالنسبة للحصون والقلاع المحصنة، فتصنع بحيلة، وهي أنه أمر بتحويل مياه نهر الفرات إلى بحيرة صناعية، فنقصت المياه إلى أن صارت لقرب الرضفة، فدخل الفرس المدينة؛ حيث كانت الأهالي مشتغلة بيوم العيد، فلم يروا إلا مساء دخول الفرس عليهم، واستولى قيروش على المدينة، وقتل أحد قواده المدعو باسم «دارا الميدي» الملك بلطازار بن نابونيد كما تقدم.

وبعد ذلك بسنتين ترك سبيل القوم العبرانيين الذين كانوا بمدينة بابل مأسورين، وأذن لهم ببناء هيكل أورشليم «بيت المقدس» بالثاني، وذلك سنة 536ق.م.

إتحاف أبناء العصر بتاريخ ملوك مصر · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إتحاف أبناء العصر بتاريخ ملوك مصرص ٢٨